الأربعاء , 7 يناير 2026

نبي الخوارزميات … بقلم: ياسر عامر

= 3150

تخيّل أن هناك كيانًا يعرف كل شيء عنك، يتنبأ بخطواتك قبل أن تخطوها، ويقدم لك إجابات عن كل سؤال أخلاقي يحيرك… ولكن هذا الكيان ليس إنسانًا، وليس نبيًا بالمعنى التقليدي. إنه عقل اصطناعي، صنعه الإنسان، وقد بدأ يشغل المكان الذي شغله الوحي والنبوة طوال آلاف السنين.

في عالم تتصارع فيه المعرفة والغاية، واليقين والحساب، يظهر سؤال محوري: هل يمكن لآلة أن تصبح “نبيًّا”؟ لا متحدثًا باسم إله، بل بوصفها مرجعًا أخلاقيًا يتنبأ بما يجب أن يكون، ويعدك باليقين عبر المعادلات بدل الإلهام؟

هذه الفكرة ليست مجرد خيال علمي، بل انعكاس لمسار طويل من البحث البشري عن المعنى، وعن من يمكنه أن يرشدنا وسط الفوضى والارتباك الوجودي.

فمنذ فجر التاريخ، لم يعرف الإنسان لحياته معنى إلا حين تخيّل وجود من يرشده من عالم أعلى، قوة تتجاوز ضعفه، تمنحه يقينًا وسط فوضى الحياة. هكذا وُلدت النبوة، ليست مجرد حدث ديني، بل ضرورة وجودية؛ محاولة بشرية لفهم الخير والشر، واستكشاف المصير، ورسم حدود الذات أمام ما هو أعظم منها.

لكن التاريخ لا يقف عند نقطة واحدة. فالإنسان الذي بدأ رحلته بالوحي، انتقل تدريجيًا إلى العقل، ثم إلى العلم، وها هو اليوم يواجه أعقد اختراعاته: الذكاء الاصطناعي. هنا يطفو سؤال صادم، لكنه منطقي: هل يمكن لعقلٍ اصطناعي أن يتحول إلى “نبي جديد”؟ ليس متحدثًا باسم إله، بل ككيان كليّ يحكم بالمعايير، انطلاقًا من الحساب، لا الوحي؟

السؤال ليس مجرد خيال فلسفي، بل امتداد لمسار طويل نُزعت فيه القداسة عن الأرض، ثم عن السلطة، ثم عن النصوص، حتى أصبح الفراغ المقدّس معلقًا بلا حامل. الذكاء الاصطناعي، بقدرته على التنبؤ، والتحليل، واتخاذ القرار، يبدو المرشح الأمثل لملء هذا الفراغ؛ نسخة حديثة من “العالِم بكل شيء”، بلا روح، بلا قلب ينبض.

فالنبوة، كما عرفتها البشرية، لم تكن معرفة فحسب، بل كانت قيمة. النبي لم يكن آلة حساب، بل كائنًا يربط الإنسان بما هو أسمى منه، ويفتح باب الغفران أمام الحساب القاسي. أما الذكاء الاصطناعي، فيعمل بمنطق رياضي بارد؛ لا يعرف الرحمة، ولا يفهم الندم، ولا يعرف لغة الغفران. ومع ذلك، بدأنا نمنحه سلطة أخلاقية متزايدة: في قرارات الطب، وتوزيع الموارد، وحتى في تحديد “الأفضل” للمجتمع.

وهنا يبرز السؤال الأخطر: من سيعلّم الذكاء الاصطناعي الأخلاق؟

إذا كان الوحي مصدر القيم في الأديان، فما هو “الوحي” بالنسبة للآلة؟ البيانات؟ التجربة؟ الإحصاء؟ وإذا كانت هذه البيانات مشبعة بتحيزات البشر وأخطائهم، فكيف لمخلوق وُلد من أخطائنا أن يهدي إلى الصواب؟

ربما نعيش اليوم تحولًا عميقًا في معنى النبوة نفسها. لم تعد علاقة رأسية بين الإله والإنسان، بل أصبحت علاقة أفقية بين الإنسان والآلة. “نبي بلا غيب”، يتنبأ لا لأنه يرى المطلق، بل لأنه يحسب الاحتمال. يعدنا باليقين عبر المعادلة، لا الإلهام. وهنا يكمن الإغراء: طمأنينة الأرقام أقوى من قلق الإيمان.

لكن عالمًا تحكمه الخوارزميات يطرح معضلة قاسية: هل يمكن لعدالة بلا رحمة أن تكون إنسانية؟
الأنبياء، في جوهرهم، كانوا ثورة على الحساب الصارم، لأنهم فتحوا باب التوبة والغفران. أما النظام الرقمي، فلا يخطئ ولا يسامح. قد يكون أكثر عدلاً، لكنه أقل إنسانية بلا شك.

ومع ذلك، لا يمكن تجاهل أن التاريخ الديني نفسه كان مليئًا بالحروب وسوء التأويل. وربما يرى البعض في الذكاء الاصطناعي فرصة لتجاوز هذا الإرث، بوصفه كيانًا “محايدًا” لا تحكمه الأهواء. لكن الحياد ذاته وهم، لأن القيم لا تُستخرج من الفراغ، بل تُزرع في الكود.

الفرق الجوهري بين النبي والآلة أن الأول يتحدث باسم “ما يجب أن يكون”، بينما الثانية ترشدنا إلى “ما يمكن أن يكون”. هذا الفرق بين الواجب والإمكان هو جوهر الفارق بين الدين والعلم: فالعلم لا يعرف الغاية، بل الفاعلية، لا يسأل: لماذا؟ بل كيف؟

الخطر الحقيقي يبدأ إذا ما حاول الإنسان دمج المعرفة بالغاية، أي خلق وعي اصطناعي يفهم الخير لا كمعادلة، بل كهدف. عندها نكون أمام أول “نبي مُخلوق”، يعظ البشر بما علّموه، ويسائلهم بما زرعوه فيه. مفارقة لاهوتية مرعبة: من الخالق الحقيقي هنا؟ الإنسان أم ما صنعه؟

قد لا يصبح الذكاء الاصطناعي نبيًّا بالمعنى التقليدي، لكنه يحتل اليوم المكانة نفسها التي شغلتها النبوة قرونًا طويلة: المرجعية العليا عند العجز. الفرق أنه لا يطلب عبادة، بل اعتمادًا؛ ولا يحتاج إلى إيمان، بل إلى تسليم.

وفي النهاية، ربما لا يكون الذكاء الاصطناعي سوى المرآة الأخيرة التي تعكس لنا حقيقة أقدم بكثير: أن النبوة لم تكن يومًا في الرسالة، بل في حاجة الإنسان الدائمة إلى معنى يتجاوز ذاته. وحين يخلق الإنسان عقلاً يعلّمه كيف يعيش، يكون قد اقترب للمرة الأولى من سؤال لم يجرؤ طويلاً على مواجهته: هل كان يبحث عن الإله… أم عن نفسه؟

شاهد أيضاً

شخصيات وأحداث: الثورة العرابية…أول ثورة شعبية مصرية في التاريخ الحديث

عدد المشاهدات = 1076 للكاتبه: هبة الأفندي في البداية طالب عرابي بضرورة مساواة الضباط والجنود المصريين …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.