الأربعاء , 7 يناير 2026

قراءة في مجموعة “ديجيا”..للكاتبة القصصية ياسمين عبدالسلام

= 3928

بقلم: صابر الجنزوري

مقدمة :
هل يمكن طلب الزواج
من الشات جي بي تي ؟!
وهل سيأتي يوم نلجأ فيه للذكاء الاصطناعي وتطبيقاته
لتعويض فقر المشاعر
والشعور بالوحدة والعزلة؟
في مجموعتها القصصية الأولى ‘ديجيا’، التي صدرت من دار (المفكر العربي) ، تأخذنا الكاتبة ياسمين محمد عبدالسلام في رحلة إبداعية تمزج فيها بين الواقع في الحاضر وبين الخيال في المستقبل الذي ظهرت معالمه في عام 2025 ، وسوف تسيطر عليه التكنولوجيا بشكل كامل في عام 2053.
“ديجيا”: عنوان المجموعة القصصية التي بين أيدينا. من العنوان الذي نعتبره دلالة وعلامة للمجموعة القصصية، نستطيع أن نقول إن العنوان جاء معبراً عن طريقة تفكير وروح جيل واعد مفكر لا يحب التعقيد.
أ. ياسمين سالم تعبر عن جيلها وتكتب بتلقائية وببساطة وبروح مرحة افتقدناها كثيراً في الكتابات التي تعبر عن المرأة وعن جيل الفتيات في عمر عقد العشرينيات. أتمنى أن تستمر في طريق الإبداع، فهي كاتبة واعدة وأنتظر منها الكثير، والقادم يكون رواية بنفس الروح والعمق الفكري الذي يعبر عن لغة وفكر جيل جديد بإذن الله.

ياسمين عبدالسلام

عن المجموعة:
المجموعة جاءت في 120 صفحة، تسع قصص قصيرة، وهي على الترتيب:
(حرب الفوارس، ديجيا، اوتوفوبيا، باسمة، مقابلة مع السيد فو، وبعد كوب من الشاي، قضية الحلة 18/10، حفل زفاف شات جي بي تي، وأخيراً قصة نفوسة والدلع ناني).
هذه القصص التسع مكتوبة بتلقائية جميلة، تجمع بين الواقعية الساخرة الساحرة والديستوبيا البسيطة التي تعبر عن واقع مرير يجعل الكاتبة تذهب إلى المستقبل وتستشرف المستقبل من لغة الحاضر التكنولوجية والذكاء الاصطناعي الذي سوف يحول الحياة كلها إلى أرقام وبرامج بضغطة زر، لكن تغيب عنها الروح كما حدث في القصة الرئيسية المحورية للمجموعة “ديجيا”، و”زواج شات جي بي تي”، و”مقابلة مع السيد فو”. لعلنا نشعر من خلال قراءة المجموعة أن الكاتبة تتحدث إليك وتحكي أو تقرأ عليك القصة؛ فلا يسعك إلا أن تنصت ثم تصفق لها في النهاية.
الإهداء:
إهداء غير تقليدي منحته لكل الناس، لكل من تعرف، بدءاً من المهمشين والمحبطين والمحاطين بالمنافقين، إلى المحبين من الطيور والحيوانات، وإلى كبار السن وأصحاب الحرف والمهن البسيطة، حتى عامل البنزين والدليفري. ووسط كل ذلك لا بد أن نتوقف عند جملة قالتها:
“إلى اللاشيء المحظوظ بعدم وجوده من الأصل، إلى الأصل، وإلى الأصول، إلى الجندي المجهول!!”. ثم تكمل الإهداء إلى الأم الأولى والثانية والأب والإخوة والزوج، وصديقة العمر، ثم لكل عقل سيعي كلماتي وما بين السطور وإلى المحللين والنقاد وقرائي الأحباء. لعلنا نرى إهداءً غير تقليدي، تعمدت فيه الكاتبة ذكر النوعيات والشخوص والثقافات المختلفة التي تهديهم كتابها الأول؛ وهذا يؤكد الروح المرحة للكاتبة، وما سوف نراه في المجموعة.
شرح وتحليل مختصر لقصص المجموعة:
حرب الفوارس: تتناول الصراع اليومي للإنسان مع المتطلبات المادية (المهية)، حيث يظهر “النمل” كعدو خفي يقتحم حياة بطلة النص بعد الحصول على المرتب الشهري، حيث يتجمع النمل عليها ويحاول الأب والأم والإخوة محاربة النمل، الذي له رمزية شديدة إلى منغصات الحياة، وتنتهي بنهاية إنسانية بتقديم السكر للنمل وعمل الصدقات للفقراء والمحتاجين.
ديجيا (القصة الرئيسية): تنقلنا لعام 2053، حيث السيطرة المطلقة للتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي. البطلة “ديجيا” تعيش حياة مبرمجة فاقدة للروح والحركة. القصة هي تحذير من تكنولوجيا عالية تحول البشر إلى كائنات خاملة مسلوبة الإرادة خلف الشاشات من خلال تناول يوم في حياة ديجيا، وهذا اليوم يقع في عام 2053. والمدهش في هذه القصة أن كل الجمل والعبارات تبدأ بفعل ماضٍ رغم وقوع أحداثها بعد 28 سنة من الآن!!
اوتوفوبيا : تغوص القصة في البعد النفسي، حيث تعكس حالة الخوف من الوحدة أو مواجهة الذات. الشخصية هنا تعيش صراعاً داخلياً مع مخاوفها الشخصية في عصر أصبح فيه التواصل الافتراضي بديلاً عن التصالح مع النفس، فنجد الحواس في حالة صراع مع بعضها والعقل يتهم القلب أنه سبب مشاكل الحياة بقوله: “مرحباً للي مودينا في داهية”، فيتدخل الفم، ثم اليد والعين، لكن المعدة في اتجاه آخر تختم المعركة بقولها: “أنا جعانة!!”. وتنتهي القصة حيث يصاحبها القلب بقوله: “لا فرح يكتمل إلا بوجودنا معاً”، العين تبكي، اليد تطبطب، العقل يستسلم، المعدة “جعانة”!
باسمة: قصة إنسانية اجتماعية بسيطة بأسلوب بسيط وسرد رائع، حيث تتحاور البطلة مع صديقاتها اللاتي يتناولن الحديث عن صديقة غائبة اسمها باسمة، فيغتبنها ويغرن منها، حتى تمل “ياسو” بطلة النص منهن، فتلتقي صدفة بباسمة، فتعرف الحقيقة، وترتاح إليها وتبدأ معها مشوار صداقة بعيداً عن الغيبة والنميمة.
مقابلة مع السيد فو: فانتازية تدور حول حوار بين البطلة وكائن فضائي (أو كيان غير بشري) عبر وسائط رقمية. تعبر عن الرغبة في الهروب من كوكب الأرض المليء بالصراعات والبحث عن عالم “نقي” يسوده المنطق والهدوء، وكلما تسأله: “لماذا ظهرت لي؟” وبعد عدة مفارقات يجاوبها في النهاية: “عشان أقابلك.. فووو”.
بعد كوب من الشاي: استطاعت الكاتبة أن تقدم في رمزية مختصرة تساؤلاً يقول: ماذا إذا لصقنا الذكريات الحلوة بجدران العقول، وماذا إذا لصقنا الضمير بالتصرفات والبشاشة في الوجوه، ماذا لو استخدمنا الأمير في لصق من ارتبطنا بهم في نسيج خلايانا… إلخ؟ وذلك من خلال مشهد تراه البطلة بعد احتساء كوب الشاي، فتشاهد فيديو يتحدث عن تصغير الأنف وتكبير الشفاه! لتؤكد على أن السعادة الحقيقية تكمن في اللحظات البسيطة غير المتكلفة.
قضية الحلة 18/10 (الحلة الإستانلس): قصة واقعية ساخرة كوميدية تعكس روح الكاتبة المرحة، تدور حول بلاغ رسمي بضياع “حلة طبخ”. من خلال هذا الموقف البسيط، تسلط الكاتبة الضوء على حياة الطبقة المتوسطة والترابط الاجتماعي، وكيف تتحول مشكلاتنا الصغيرة إلى قصص إنسانية مليئة بالدفء والمفارقة، فتضطر بطلة النص “زهية” أن تعزم كاتب التحقيق على “حلة المحشي” حتى تتفادى التورط في بلاغ كاذب بعد أن تكتشف وجود الحلة بعد عدة مواقف ومفارقات كوميدية مع الزوج الأكول والابن والابنة والضابط والجارة!!
حفل زفاف شات جي بي تي: نقد حاد للاغتراب العاطفي، حيث يلجأ الأبطال للذكاء الاصطناعي لتعويض النقص في المشاعر والتقدير. القصة تصف “الزواج” من تطبيق ومن الوهم الرقمي كنوع من الجنون الذي يفرضه واقع الوحدة والعزلة الاجتماعية… تجد البطلة رسالة غريبة من الشات جي بي تي بقبوله الزواج منها، ويكتب عقداً من عدة بنود، منها: عدم التعدد! وتنتهي القصة بجملة حزينة بعد أن تفيق من الوهم: “ماذا لو كنتم صادقين؟!”.
نفوسة والدلع ناني : النص الأخير والكوميديا السوداء ونقد للواقع المؤلم… تختتم المجموعة بقصة “أم هاشم” التي تعمل كسائقة توكتوك لمواجهة أعباء الحياة، مضحية بمظهرها الأنثوي التقليدي، فتذهب لزيارة صديقتها (نفوسة والدلع ناني) في منطقة شعبية بحي المعجباني، تناديها بطريقتها الشعبية “نافوساااا”… لكن نفوسة تكره هذا الاسم وتحب اللقب “ناني” حتى تضطر أن تنزل إليها وتوجه لها اللكمات، وبعد مواقف كوميدية تنتهي القصة بقول أم هاشم لها إنها حضرت لكي تخبرها أن فرح “امبارز والبنت صنعو” الخميس الجاي!! “أشوفك في الفرح بقى يا نف نف!!”.
ثم تختم الأستاذة ياسمين المجموعة حيث تقول: “إلى اللقاء مع الأجزاء القادمة”، في إشارة منها أن هناك أجزاء أخرى من ديجيا ولها الحق في ذلك.
بعد ما تقدم من شرح مختصر لقصص المجموعة، ننتقل إلى الناحية الفنية وتناول أهم عناصر وخصائص (ديجيا):
السرد والحوار واللغة والحبكة والشخصيات:
السرد: جاء السرد باللغة الفصحى البسيطة السليمة بطريقتين تفوقت فيها الكاتبة على نفسها؛ حيث استخدمت السرد بطريقة ضمير المتكلم وكأنها هي بطلة النص كما في نص “حرب الفوارس”، وجاء بطريقة ضمير الغائب كما في نص “ديجيا” الذي توافقت طريقة السرد مع أحداثه مما يجعل المتلقي في حالة ترقب وانتظار لمزيد من الأحداث والتشويق…
الحوار: جاء الحوار باللغة العامية واللهجة المصرية وتم توظيفه حسب كل شخصية وخلفيتها الثقافية ومكانتها الاجتماعية ووظيفتها الدرامية، فالحوار في نص “ديجيا” يختلف عن الحوار في نص “نفوسة”.. إلخ. بالإضافة إلى طابع روح الدعابة والكوميديا التي أضفتها الكاتبة على الحوار في نصوص مختلفة، على سبيل المثال: استخدامها لأسماء بعض الفنانين والأعمال الفنية مثل: عبلة كامل في ريا وسكينة ، محمد سعد في اللمبي، محمد سلام، توم وجيري، مستر بين… إلخ. وبعض الألفاظ مثل: “نقع البطاطس بعصير الليمون”، “مش هتيجي على دول”، “الولية باينلها اتجننت”، “فتشني فتش”، “أنت بتردحلي يا سيد فو”، وهكذا.
اللغة: جاءت بسيطة سهلة دون استخدام جمل أو كلمات صعبة أو مبتذلة، ونجحت في استخدام السرد باللغة العربية الفصحى البسيطة والحوار باللهجة المصرية العامية ووظفتها حسب ثقافة الشخصية وطبيعتها ومكانتها الاجتماعية.
الحبكة: اعتمدت على المشهد السينمائي والدراما والمشهدية بشكل كبير، حيث يتصاعد الحدث دون صراع ظاهر بين خير وشر أو بطلين، ولكن صراع غير تقليدي بين العادات والقيم والتقاليد والظروف، والحداثة والتكنولوجيا، وظهر ذلك في كل النصوص، خاصة “ديجيا” و”باسمة” و”حرب الفوارس” و”مقابلة مع السيد فو”.
الزمان والمكان: باستثناء زمان ومكان نص “ديجيا” الذي يأخذنا في رحلة استشرافية في عام 2053 ، وربما نتساءل لماذا هذا التوقيت على وجه الخصوص؟ فإن زمان المجموعة هو ذلك الزمن الحاضر الذي نعيشه مع اختلاف المكان من الحي الشعبي إلى الحي الراقي.
الشخوص والأبطال: تنوعت طبيعة كل شخصية حسب فكرة وموضوع وهدف النص، فنجد:
شخصية البطلة التي تنتظر المهية أو الراتب أول كل شهر وتنزعج من النمل الذي يرمز للتأزم والتوتر وروتين الحياة حتى تتخلص منه بالصدقات للمحتاجين وبالسكر بدلاً من القتل بالبودرة.
شخصية ديجيا: شخصية ضحية التكنولوجيا والرفاهية والأزرار، تعيش في المستقبل الذي تسيطر عليه التكنولوجيا وتسلبه سعادته رغم الرفاهية التي توفرها له.
بطلة نص اوتوفوبيا: وهي شخصية لها عمق نفسي وصراع داخلي رسمتها باقتدار وأظهرت الصراع بين حواسها حتى وجدت الطريق في التصالح مع القلب.
شخصية باسمة وبطلة النص: شخصيتان تمثلان نموذجاً للشخصية السوية التي ترفض الغيبة والنميمة وتحب الخير للناس.
شخصية السيد فو: الكائن الفضائي الذي تظهر من خلاله مساوئ وعيوب الإنسان في كوكب الأرض والرغبة في الذهاب لعالم آخر فيه الإنسانية الحقيقية.
شخصيات زهية ومسعود وأم هاشم ونفوسة: شخصيات شعبية لها الحس والطابع الكوميدي والمشهدية الكوميدية وروح الدعابة.
أما شخصية الفتاة في الشات جي بي تي: فقد عبرت عن لغة العصر واستخدام تطبيقات الذكاء الاصطناعي الذي تبوح له الفتيات والشباب بكل الأسرار الشخصية، حتى تطلب منه الفتاة ذات مرة وتقول له: “هل تتزوجني؟!”.
بعد تناول عناصر وخصائص القص في المجموعة، فإننا نستطيع أن نقول إن المجموعة تميزت بنقاط قوة، كان من أهمها الفكرة والهدف والموضوع، ثم طريقة السرد والحوار، وكذلك رسم الشخصيات التي توافقت مع طبيعة الفكرة بكل نص، وقدمت ذلك في مشاهد ولوحات تصل إلى السريالية أحياناً كما في “شات جي بي تي” و”السيد فو” و”ديجيا”.
وكما تناولنا نقاط القوة، فإن هناك بعض التحفظات، منها: النهاية؛ ففي بعض القصص لم تكن النهاية مباغتة، وكأن الكاتبة تعجلت نهاية القصة مثل “بعد كوب من الشاي”. ورغم وجود التكثيف والاختزال في بعض مشاهد القصص، إلا أن هناك تطويلاً في القصة ككل إلى حد ما في بعض القصص، وصل أحياناً إلى ما يزيد عن سبعة عشر صفحة للقصة الواحدة كما في “ديجيا” ونص “قضية الحلة” الذي بدأ عند صفحة 73 وانتهى عند الصفحة 105 .
وقبل الختام يحضرني تساؤل: ماذا لو كانت “ديجيا” هي بطلة كل نصوص المجموعة؟!
ربما نجد ذلك في العمل القادم.
ختام:
أخيراً وليس آخراً، فإن هذه المجموعة القصصية (ديجيا) تعد إضافة حقيقية للقصة القصيرة الحديثة المعاصرة التي تتناول حكايات وقضايا اجتماعية وإنسانية معاصرة، وتستشرف المستقبل وتغلب التكنولوجيا على الإنسانية. فبين الواقع والخيال قدمت الأستاذة ياسمين مجموعة رائعة كان من أهم نصوصها قصة “ديجيا” التي هي نص أدبي ذكي يطرح تساؤلاً فلسفياً: هل نحن من نتحكم في التكنولوجيا أم أنها هي التي بدأت في إعادة صياغتنا ككائنات خاضعة؟ وإلى أين يأخذنا الذكاء الاصطناعي؟
وأختم باقتباس جميل ربما يمثل هدفاً رئيسياً لمواضيع القصص، وذلك عندما كتبت في نص “بعد كوب شاي”: “ماذا إذا لصقنا الضمير بالتصرفات، والبشاشة بالوجوه، وطيب الكلام باللسان؟ وماذا عن لصق التفاؤل بالتوكل، والخير بالأيادي، والصدق بالعيون؟”.
كل التمنيات الطيبة بدوام التوفيق والإبداع للكاتبة الواعدة الأستاذة ياسمين سالم في عالم القصة والرواية بإذن الله.


صابر الجنزوري
19 ديسمبر 2025

شاهد أيضاً

“ليالي مسقط 2026” تحكي محطات من تاريخ عُمان منذ ماضيها العريق

عدد المشاهدات = 411 مسقط، وكالات: شكّلت عروض الدرون في سماء متنزه القرم الطبيعي أحد …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.