مع تقدم الأبناء في العمر، وتغير سلوكياتهم وشخصياتهم بحكم مراحلهم العمرية المختلفة، لا بد أن تتطور أدوات التربية ولغة التواصل داخل الأسرة، بما يضمن صحتهم النفسية ويعزز شعورهم بالأمان.
غير أن الحوار الأسري اليوم أصبح عملة نادرة، في ظل انشغال الوالدين بالعمل وتزايد الالتزامات خارج إطار البيت، وهو ما يدفع بعض الأبناء إلى الشعور بالغربة داخل منازلهم، خصوصاً حين لا يجدون من يحتويهم ويحاورهم، ويجلس معهم بمحبة، وينصت لمشكلاتهم ويشاركهم التفكير في إيجاد الحلول المناسبة لها.
ومع تصدر العمل قائمة الأولويات في حياة كثيرين، تراجعت الجلسات العائلية التي كانت تمتلئ دفئاً ومودة وحواراً، سواء في غرفة المعيشة أو على مائدة الطعام التي كانت تجمع دائماً الوالدين بالأبناء. فقد بات كل فرد يعيش عالمه الخاص، يتناول طعامه منفرداً، ثم ينصرف لإنجاز مهامه بصمت، في ظل ضغوط الحياة وتسارع إيقاعها.
من هنا تبرز الحاجة إلى إعادة النظر في مفهوم العلاقة بين الوالدين والأبناء؛ فالحوار الأسري لا يُفرض بالأوامر ولا يبنى على الخوف أو السلطة وحدها، بل ينشأ من علاقة قائمة على الثقة والاحترام المتبادل. فحين يشعر الابن بأن والديه أقرب إليه من أي مؤثر خارجي، يصبح الحوار مساحة آمنة للتعبير، لا عبئاً يُثقل كاهله أو مواجهة يخشاها.
وبلا شك، حين تتحول العلاقة بين الوالدين والأبناء إلى صداقة واعية، يتراجع العناد والتمرد، لأن الأبناء يجدون من يفهمهم لا من يراقبهم فقط. فالصداقة الوالدية تفتح باب المصارحة، وتمنح الأبناء الشجاعة لطلب المشورة قبل الوقوع في الخطأ، لا بعده.
إن بناء الصداقة الوالدية ليس ترفاً تربوياً، بل ضرورة تفرضها متغيرات العصر وتسارع وتيرته. فكل دقيقة حوار صادق داخل الأسرة هي استثمار حقيقي في صحة الأبناء النفسية، وفي تماسك المجتمع ككل؛ فحين نحسن الإنصات لأبنائنا اليوم، نختصر على أنفسنا وأبنائنا الكثير من المسافات غداً.
———————————-
* كاتبة ومدربة في مجال الأسرة والأبناء – دولة الإمارات.
حياتي اليوم صحيفة إلكترونية يومية