الخميس , 15 يناير 2026

إمام السلام … بقلم: عادل عبدالستار العيلة

= 3482

بين ضفاف الصعيد الجنوبي حيث تشكّلت البدايات، وأروقة الأزهر الشريف التي احتضنت مسيرته العلمية والفكرية، يقف الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب، شيخ الأزهر الشريف، رمزًا لمرحلة دقيقة في تاريخ المؤسسة الدينية الأعرق في العالم الإسلامي. فمع بلوغه عامه الثمانين، لا تُختَزل سيرة الرجل في محطاتٍ علمية ومناصب قيادية فحسب، بل في مشروع فكري قائم على ترسيخ الوسطية، وتجديد الخطاب الديني دون قطيعة مع التراث، وتعزيز حضور الأزهر كمرجعية أخلاقية وإنسانية على الساحة العالمية.

وُلد الدكتور أحمد الطيب في السادس من يناير 1946 بمحافظة الاقصر ، في بيئة راسخة الجذور في العلوم الشرعية والتقاليد الأزهرية. تدرّج في مؤسسات الأزهر حتى نال درجة الدكتوراه في الفلسفة الإسلامية، ليبدأ مسارًا أكاديميًا امتاز بالبحث الرصين والانفتاح على المدارس الفكرية الحديثة، وهو ما انعكس لاحقًا في مواقفه الإصلاحية ورؤيته المتوازنة لطبيعة العلاقة بين الدين والواقع الاجتماعي المتغير.

منذ توليه مشيخة الأزهر عام 2010، واجه الإمام الأكبر تحديات عاصفة عصفت بالعالمين العربي والإسلامي، من تصاعد خطاب العنف والتطرف، إلى اضطراب المشهد الفكري والسياسي. وفي خضم ذلك، قدّم رؤية تقوم على ترميم الثقة بين المؤسسة الدينية والمجتمع، وتعزيز حضور الأزهر كقوة ناعمة تسعى إلى تثبيت قيم الاستقرار والسلم الأهلي والمواطنة. وقد شكّل خطابه المتزن — البعيد عن الصخب والاستقطاب — علامة فارقة في لحظات كانت تبحث فيها الشعوب عن صوتٍ عاقل ومسؤول.
لم يقتصر دور الدكتور أحمد الطيب على المجال المحلي فحسب؛ بل امتد حضوره إلى الساحة الدولية عبر مبادرات للحوار بين الأديان والثقافات، وفي مقدمتها “وثيقة الأخوة الإنسانية”، التي جاءت لتعكس رؤية تنطلق من ثوابت الهوية الإسلامية، لكنها تنفتح على القيم المشتركة بين البشر، وتؤكد مكانة الأزهر كشريك حضاري في صياغة خطاب عالمي أكثر عدلًا وإنسانية. وقد جاءت مواقفه حيال قضايا العدالة الاجتماعية، والهوية الثقافية، وكرامة الإنسان، لتؤكد أن الدين — في رؤيته — ليس خطابًا شعائريًا معزولًا، بل قوة أخلاقية حاضرة في عمق الشأن العام.

أما على الصعيد التعليمي، فقد وضع الإمام الأكبر تطوير التعليم الأزهري في قلب أولوياته، سعيًا إلى تحقيق توازنٍ دقيق بين الأصالة والمعاصرة، وتخريج أجيال قادرة على الجمع بين المعرفة الشرعية الرصينة ومهارات العصر. وفي هذا المسار، جاءت دعوته الدائمة إلى مواجهة الفكر المتشدد بالحجة والعلم، لا بالاتهام والإقصاء، لتُعيد للأزهر دوره التاريخي باعتباره منبرًا للعقل والمنهج، لا للانغلاق أو الجمود.

وفي هذه المناسبة، يرفع محبو الأزهر و شيخه أصدق التهاني إلى فضيلة الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب بمناسبة بلوغه عامه الثمانين؛ ثمانون عامًا حافلة بالعطاء والمعرفة والتجربة الإنسانية العميقة. إنّها محطة لا للاحتفاء بالعمر فحسب، بل للاعتراف بدور رجل حمل مسؤولية الكلمة والفتوى والمرجعية الدينية في زمن يموج بالتحديات. نسأل الله أن يمدَّ في عمره بالصحة والتوفيق، وأن يواصل بعلمه وحكمته إسهامه في خدمة الأزهر الشريف والإنسانية جمعاء.

حفظ الله مصر … ارضا وشعبا وجيشا و أزهرا
—————————————————-
* كاتب صحفي … جريدة حياتي اليوم

شاهد أيضاً

د. عائشة الجناحي تكتب: الصداقة حضور لا يغيب

عدد المشاهدات = 3232 تقول إحدى السيدات إنها كانت دائماً تبحث منذ الصغر عن الصداقة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.