الخميس , 19 فبراير 2026

كتاب “الفلاح المصرى والفكاهة” للدكتور عوض الغبارى… دراسة نقدية بمنهج المفارقة

= 688

عاش الفلاح المصرى حياة كلها تعب وشقاء ومعاناة على مدى أزمان طويلة ، لكنه صبر وثابر وعمل بكد وجد فى أرض مصر التى ارتبط بها ، وأنشأ على ضفاف نيلها الخالد أقدم حضارة فى التاريخ الإنسانى .

وظل الفلاح المصرى مستمسكا بقيمه وتقاليده جالبا الخير للبلاد ، وإن حرم منه فى أغلب فترات التاريخ .

كان أجيرا عند ملاك الأرض ، ودهمه الفقر والجهل والمرض ، خاصة فى العصر العثمانى الذى كان وبالا عليه من سخرة ومهانة أذلته ، وجباية وضرائب أثقلت كاهله . لذلك كانت الفكاهة الملاذ الذى توسل به الشيخ ” يوسف الشربينى ” للتعبير عن تلك الأحوال البائسة للفلاح المصرى فى عصره . جثم الحكم العثمانى على قلب مصر ثلاثة قرون من (1517)إلى ( 1805 ) ميلادية . وقد عاين الشيخ ” يوسف الشربينى ” الذى عاش فى القرن السابع عشر من العصر العثمانى بؤس الفلاح المصرى فألف كتابا فكاهيا عن ذلك عنوانه : ” هز القحوف فى شرح قصيدة أبى شادوف ” . وهذا العنوان مستمد من واقع الريف المصرى ، فالقحوف هى قحوف النخل ، والشادوف هو الآلة الزراعية البدائية لرى الزرع . و “أبو شادوف ” شخصية اخترعها الشيخ “يوسف الشربينى”ممثلة للفلاح المصرى فى ارتباطه بأدوات عمله . والقصيدة هى التى أنشأها مؤلف كتاب”هز القحوف ” لتكون شرحا لأحوال الفلاح المصرى فى حياته البسيطة وما سادها من العادات والتقاليد ، وصاحبها من التراث الشعبى .

وعن الإصدار يقول الدكتور عوض الغباري: كتابى هذا تحليل ودراسة نقدية بمنهج المفارقةلكتاب “هز القحوف في شرح قصيدة أبي شادوف ” للشيخ “يوسف الشربيني”.

وأسلوب “الشربيني” في “هز القحوف” حافل بالفكاهة التي تميز الأدب الساخر الذي عالجناه وفقًا لنظرية “المفارقة” وآلياتها في التنفيس عن الجد وهموم الحياة بالضحك والسخرية والفكاهة اللازمة للتوازن النفسي والمراوحة بين الجد والهزل. والشيخ الشربيني “يوسف بن محمد بن عبد الجواد بن خضر الشربيني” من علماء الأزهر ينتسب إلى بلدته “شربين”، وقد اشتهر بسبب ذيوع كتابه “هز القحوف”، إذ المعروف عن حياته قليل.

وإذا استقرأنا شخصيته من “كتابه” وجدناه عالما شاعرًا أديبًا ظريفًا قدّم فى “هز القحوف” صنوفا من التراث العربي، من الأشعار والأخبار والطرائف والنوادر.

كما تعمق الريف المصري وصوّره بسخرية لاذعة منتقدًا حياة الفلاح المصري البائس، وقد عانى من “السخرة” و “المهانة” والدَّين والفقر، ولم يهنأ بالعيش لمطالبته بالمال المفروض عليه من نظام الحكم العثمانى ممثلاً في “الباشا” و “الكاشف” و “الملتزم” وغيرهم ممن أهملوا شئون الفلاح، ولم يهتموا إلا بفرض الضرائب، وجمع الجباية، وتكليف الفلاح الفقير بما لا يطيقه.

وقد ركز التحليل على طرائق المفارقة فى الهزل والسخرية فى تناول “الشربيني” الساخر للفلاح، والصورة المهينة التي كان عليها.

ورأينا كثيرًا من الآراء التي انتقدت “الشربينى” لقسوته على الفلاح والتشنيع عليه. لكنا رأينا أن السخرية فى مفهومها المنهجى انتصار للضعيف، واستعانة بالهزل على الجد.

والشخصية المصرية تعلو على الاحتلال والظلم الذى وقع عليها في العصور القديمة والوسيطة والحديثة بفلسفة الضحك والفكاهة والسخرية من كل صور القهر والظلم والبغى والعدوان والظلام.

فالنكتة سلاح مقاومة يجابه المصريون به مصائبهم بإيمان عميق بالدين، وحب أصيل للدنيا بقناعة وبساطة وروح مرحة.

وانظر إلى أقصى أمانى “الفلاح المصري” فى “هز القحوف” تجد مصداقا لطبيعة الريف المصرى من صبر على المعاناة من الفقر والجهل والمرض، واحتساب وأمل فى الانعتاق من ذلك، والحلم بطعام بسيط، وحياة هادئة حُرم منها.

ونتناول “هز القحوف” فى عاميته المبتذلة، وإسرافه فى العبث بالتعبير عن تردى أحوال الريف المصرى، والفلاح الذي هو عماد المجتمع المصرى، ومصدر الدخل الوحيد فى عصر “هز القحوف” وصانع الحضارة لكل العصور، لتتبين المفارقة في الفرق بين حال الفلاح المصرى في ذلك العصر العثمانى، من سخرة وفقر ومهانة، وبين ما يجب أن يكون عليه صانعًا للحضارة منذ أقدم التاريخ.

وتتصل “المفارقة” “irony” بالتورية، وهى عماد الأدب المصرى، ويعد كتاب “هز القحوف” نصًا مهمًا فى دراسة الأدب الساخر، ومفارقاته وتورياته المتأصلة فى التراث المصري تعبيرًا عن الطبيعة الخاصة بالشخصية المصرية، والثقافة الشعبية المرتبطة بها.

و “هز القحوف” حافل بالتناص مع الكثير من الأدب الشعبى المصرى كالأغنية الشعبية والمثل الشعبى والشعر والأدب العامى مثل الأزجال والمواليا.

كما طاف “هز القحوف” بروائع التراث العربي وتفاعل معها، وتناص بالشعراء العرب، وتأثر بالمصادر الغنية بالحكايات والنوادر والأشعار مثل “ألف ليلة وليلة”.كذلك انعكست الروح الدينية في الكتاب، خاصة ما يتعلق بالتصوف، وكان العصر العثماني حافلا بأعلامه وتراثهم.

أما “ابن سودون” علم الفكاهة في كتابه المتفرد “نزهة النفوس ومضحك العبوس” فكان مؤثرًا في فكاهة الشيخ الشربيني من حيث المفارقة الجوهرية بين الجد والهزل بما يثير الضحك.

وهذا يدل على أن المشايخ المصريين يحملون في إهابهم الديني المستنير الروح المرحة المميزة للشعب المصري المتدين. و “هز القحوف” زاخر بالسخرية الداعية إلى نقد سلبيات الريف المصري، وما ساد فيه من غياب الوعي والجهل والتخلف، والاستهتار بالقيم الدينية الأصيلة، والبعد عن التقاليد الاجتماعية والعادات الأصيلة، وجهل فقهاء الريف، والإمعان في الكشف عن هذه السلبيات بالهجاء والنقد اللاذع الذي يؤدي إلى التعاطف معهم لا تشويههم.

ومعجم الريف والفلاح في “هز القحوف” منقسم بين ما كان مستخدمًا من لهجة الريف وبين ما اخترعه “الشربيني” على طريق الهزل.

وهذا المعجم مهم جدًا للتعرف على الثقافة المصرية بجوانبها الاجتماعية التي تلقي الضوء على جانب مجهول من حياة المصريين في ذلك العصر، وما تبعها من تفكير خاص لأصحابها في الريف المصري.

ومن الحكايات المصورة للمفارقة المضحكة تلك التي تتصل بزيارة الريفي للمدينة، كذلك تتجلى في الآداب المختلفة. وقد أطلعنا “هز القحوف” على طريقة الفلاحين في حياتهم من خلال عاداتهم وتقاليدهم وطعامهم البسيط الفقير مثل المش والجبن والكشك والبيسار (البصارة) والبصل، وغير ذلك، وارتباطهم بالأرض والحيوان كالبقر والجاموس، والاعتماد عليه في الزراعة والطعام والتجارة.

كذلك أطلعنا “هز القحوف” على أفراح الفلاحين وأتراحهم ومفهومهم لما يحيط بهم من قضايا الحياة والفلاحة، وكذلك صورة المرأة والطفل في ذلك المجتمع، والتندر بغرابة أسمائهم وطرافة حكاياتهم.

وفي “هز القحوف” صور كثيرة من التراث الريفي في عصره من غناء وألعاب شعبية في المناسبات المختلفة مثل الموالد.

وتجلت الاعتقادات الشائعة في الريف المصري عبر تصوير إكبارهم للمتصوفة وكراماتهم، كذلك ما اعتقدوه من تأثير السحر والشعوذة، وغير ذلك.

ومن أهم ما صوره “هز القحوف” من حياة الريف خوف الفلاح من السلطة الظالمة، وهلعه من نزول جامعي الضرائب، أو طالبي السخرة، واستغراقه الشديد في التفكير في ذلك، وانشغاله به عما سواه.

و “هز القحوف” صورة لحياة الفلاح التعيس لا يجد حياة كريمة في أي وجه من وجوه الحياة، لا رعاية صحية، ولا مدارس، ولا دورات مياه، ولا شيء يساعده في تجميل المظهر أو المخبر، ولا أحد يوجهه الوجهة السليمة في السلوك أو الكلام.

وقد رجعتُ إلى كتاب “هز القحوف” في طبعاته القديمة والحديثة، ومن القديمة نسخة المطبعة الأميرية 1308هـ الصادرة عن المكتبة المحمودية تحت تصنيف: نكت وفكاهة وأدب.

ورجعت – أيضًا – إلى الطبعة الثانية القديمة، بالمطبعة الأميرية، بولاق، 1308هـ.

كما أفدْتُ من الطبعات الحديثة في طبعة “محمد قنديل البقلي” لكتاب هز القحوف تحت عنوان: “قريتنا المصرية قبل الثورة”.

ومن الطبعات الحديثة، أيضًا رجعتُ إلى الطبعة الإلكترونية، بتحقيق “همـﭭري ديفيز”. والطبعة الأحدث لعبد العزيز جمال الدين.

وقد تناول كتابنا الجزء الأول من “هز القحوف” بالتحليل والنقد في إطار قصد الشربيني، وتناوله الساخر للأحوال المتردية للريف المصري، وما أصاب الفلاح المصري من نكبات في العصر العثماني.

وركزنا على الجوانب الأساسية، وتنكبنا الإغراق في التفاصيل المتشابهة لكي نقدم قراءة موضوعية خالصة من الشوائب التي علقت بهز القحوف مما لا يضيف شيئًا ذا بال.

ووقفنا عند أرجوزة “الشربيني” التي ختم بها الجزء الأول، وكانت مصداقًا بالنظم لما ورد في الجزء الأول، وسار فيها “الناظم” على منهج الشعر التعليمي.

ولا يخلو هز القحوف من نظرات أدبية وفلسفية عميقة مع هزله، ذلك لثقافة مؤلفه، وحرصه على إمتاع المتلقي وإفادته. واعتمد “الشربيني” المفارقة بين هزل المحتوى في “هز القحوف” وبين اصطناع الجد في شرحه أدبيًا ولغويًا.

وعمد إلى إمداد شروحه بقطوف من الأدب شعرًا ونثرًا، فصيحًا وعاميًا. وبرع في تقديم قصص الحب الرائعة مفارقة لقصص حب الفلاحين الساذجة، ونجح في الاغتراف من المعين العذب في هذا الباب.

كما تناص مع الأشعار والأخبار الرائعة في التراثين العربي والمصري، ورجع إلى “طوق الحمامة” لابن حزم الأندلسي، وهو رائد في وصف الحب منظور نفسي فلسفي أدبي.

واتضح من سرد بعض القصص الخاصة بأدعياء الصوفية من الدجالين والمشعوذين ما اكتنف المجتمع الريفي من جهل في الانخداع في مثل هؤلاء “النصَّابين” بدافع الحب للمتصوفة، والاعتقاد في بركتهم دون إدراك لتلك الطائفة التي تنتسب إليهم زورًا وبهتانًا.

وتبلغ أبيات الأرجوزة التي ختم بها الشربيني الجزء الأول (193) (مائة وثلاثة وتسعين) بيتًا ملتزمًا التصريع في أبياتها التي تختلف قوافي كل بيت منها عن الآخر، ومطلعها:

قال الفقير يوسف بن خضرلله حمدي دائمًا وشكري

وقد نظمها على منهج ((ألفية بن مالك)) وغيرها من الشعر التعليمي مجسدة ما فصّله “الشربيني” من سوء حال الفلاح في الجزء الأول.

والجزء الثاني من “هز القحوف” وهو الخاص بقصيدة “أبي شادوف” وشرحها متصل بالجزء الأول.

والقصيدة سبعة وأربعون بيتًا حافلة بالسخرية من صاحبها المزعوم أبي شادوف، وما أسقطه مخترعه الشربيني عليه من “سخام” ونقد جعله مثلا سيئًا للفلاح المصري.

ويخترع “الشربيني” كل ما يتعلق من معالم الشخصية الخاصة بأبي شادوف، مولده، وقريته وأبيه وعمله، وخلفه لأبيه شيخًا للقرية، وانتعاش أحواله، وسوء منقلبه إلى الفقر والبؤس والشقاء في زراعة الأرض.

ويتناص “الشربيني” مع كثير من الشعر الذي يشكو الشعراء فيه تقلبات الزمان.

كما يُنشئ أشعارًا كثيرة رآها مناسبة لأحوال “أبي شادوف”. وتبدأ قصيدة أبي شادوف بقوله:

يقول أبو شادوف من عظم ما شكى

من القل جسمه ما يضال نحيف

ويتعمق الناظم / الشارح في كثير من الجوانب المتعلقة بأبي شادوف مثالا لكل فلاح مصري في عصره على نحو ما صوره من فقر وجهل وتخلف.

كما يشرح ما يتعلق بأدوات الزراعة كالشادوف، وما يتصل بطعام أهل الريف وملابسهم وعاداتهم وتراثهم واحتفالاتهم وطرائق تسلياتهم، خاصة الجلوس على الكوم (التل) للمسامرة أو التشاور في الأمور.

ويصور خوف الفلاح من نزلة “الكشاف” لجمع الضرائب، في قول أبي شادوف:

ومن نزلة الكشاف شابت عوارضي

وصار لقلبي روعة ورجيف

وفي هز القحوف كثير من الاستطراد – على طريقة الجاحظ – لكثرة ما يدور في فكر الشربيني، وما ينثال من قلمه.

ونشعر – مع هز القحوف – أننا نعايش الفلاح المصري في الحقل وزريبة البهائم وحظيرة الطيور. ونرى معه حلب اللبن، وخبز العيش، وتفاصيل حياته اليومية.

ويختم الشربيني “هز القحوف” بقصيدة يبدأها بالصلاة على النبي، ويختمها بحمد الله.

ولعلِّي أضيف شيئًا بدراستي هذه لكتاب “هز القحوف” راجيا أن تنال ذخائر الأدب المصري ما تستحقه من اهتمام لما تقدمه من إضاءات تكشف عن جوانب كثيرة مجهولة من ذلك التراث الخالد.

شاهد أيضاً

الدكتورة رانيا يحيى تستقبل الدكتورة رشا صالح المديرة الجديدة للأكاديمية

عدد المشاهدات = 3366 توجهت الدكتورة رانيا يحيى، مديرة الأكاديمية المصرية للفنون بروما، إلى مطار …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *