الجمعة , 16 يناير 2026

عالمية اللغة العربية فى ذكراها

= 7646

 

بقلم الأستاذ الدكتور/ عوض الغبارى

فى الثامن عشر من ديسمبر عام1973 ومواكبة لنصر أكتوبر المجيد قررت الجمعية العامة للأمم المتحدة أن تكون اللغة العربية لغة رسمية فيها . ومنذ ذلك التاريخ  يجرى الاحتفال – سنويا- بهذه الذكرى احتفاء باللغة العربية وتأكيدا لحضارتها وترسيخا للهوية العربية واعتزازا بتاريخها العظيم وعطائها الحضارى وثقافتها المستنيرة المتفاعلة مع الثقافات العالمية فى كل زمان ومكان . واللغة العربية واسعة الانتشار لأنها حملت معالم حضارة إسلامية طبقت آفاق العالم خلال خمسة عشر قرنا من الزمان . وامتدت جذور اللغة العربية وآدابها قرنين آخرين قبل الإسلام لتكون اللغة المستمرة لما تنطوى عليه من خصائص دينية حفظها القرآن الكريم الذى يتردد ذكره آناء الليل وأطراف النهار على امتداد نوره وهداه منذ نزوله حتى الآن وإلى أن يرث الله الأرض ومن عليها . وتنهض  اللغة بارتقاء أصحابها في منظومة  حضارية علمية إنسانية، وتجتمع هذه القيم الرفيعة في اللغة العربية ومنها انتقلت العلوم والفنون والآداب إلى أوروبا في عصورها المظلمة.

وساد العلم العربي خمسة قرون من القرن الرابع الهجري/العاشر الميلادي إلى القرن التاسع الهجري/ الخامس عشر الميلادي في رحلة عطاء حضاري لمدة خمسمائة عام على الأقل. واللغة العربية تحمل في إهابها عوامل بقائها، وقد استمرت سبعة عشر قرنا من الزمان وستستمر لارتباطها بالقرآن الكريم، وحفظ الله تعالى لها لقوله تعالى: (إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون) . وليس صحيحا ما يتردد حينا بعد حين بأن اللغة العربية ليست لغة صالحة لاستيعاب العلوم الحديثة، فهي لغة مطواعة إذا تطور العلم العربي، لينهض باللغة المعبرة عنه.

وقد ضعفت اللغة العربية الآن لعدم وفاء الظروف المصاحبة من تطور التعليم ومواكبة العلم الحديث، بمخترعاته وابتكاراته في كافة المجالات.

وقد واجهت اللغة العربية عصورا من الضعف لكنها نهضت وفق ظروف المنظومة العربية تقدما أو تأخرا قديما وحديثا. ولا بأس من استخدام اللغة العربية في تعليم العلوم الحديثة بالجامعات العربية إذا استوفت شروطها.

ومن أهمها أن تكون العبقرية العربية منظومة متكاملة حضاريا وعلميا، لا عبقريات أفراد. ولا خطر من العامية على اللغة العربية، إذ هناك افتعال للصراع بينهما، وخوف من تواري الفصحى أمام العامية. وهذا ليس صحيحا لأن اللغة العربية تتضمن لهجات مختلفة استقرت على لهجة قريش.

و للعامية اتصالها الوثيق بالفصحى، فالعامية تنويعات للفصحى ، ومن غير المنطقي النظر إلى تعامل الناس بالعامية دون الفصحى على أنه دليل على أفضلية العامية على الفصحى ، ولو استقام هذا الزعم لبادت العربية .

 واللغة العربية غنية بمعجمها العظيم لأن المفردة العربية مكونة من جذر لغوي ذي ثلاثة حروف تكثر منها المشتقات ، وهي لغة خصبة ثرية متنامية متجددة تستوعب المتغيرات المختلفة عبر العصور ، ومنها المستعمل والمهمل الذي يجعلها في حركة تجديد مستمر.

وقاموس اللغة العربية لا حدود له، والمستعمل من ألفاظها قليل جدا. والمبنى اللغوي العربي قائم على حضارة إسلامية راقية باقية، وإن أخل بها أبناؤها بعض الأحيان ، والأيام دول، والحضارات في مراحل صعود وهبوط.

واللغة ليست نمطا ثابتا، وإنما هي في تفاعل مستمر مع اللغات الأخرى والحضارات الأخرى. واللغة العربية مشهود لها بالبلاغة، والتأثير في البناء الحضاري الإنساني.

وهذا مما يؤكد الدور العالمي للغة العربية -خاصة إذا قوي أهلها- لغة ناطقة بثقافة الحضارة الإسلامية . وللغة العربية تراثها الذي بهر الدارسين في أنحاء العالم.

وهي من أكثر اللغات تداولا وطواعية للعلوم المختلفة، وانجازاً في تاريخ الحضارة الإنسانية. وتتأكد القيمة الاصيلة للغة العربية لكونها مقوماً للفكر والثقافة والوجود والحياة والانتماء للهوية العربية، كما تتأكد عالميا باتصالها بوسائل العلم بتقنياته الحديثة، والترجمة بدورها المؤثر فى تبادل ثقافات العالم.

وتدريس اللغة العربية لغير الناطقين بها، سفارة مهمة لهذه اللغة، وآدابها وعلومها وفنونها وثقافاتها، كما أن مناهج تدريس اللغة العربية وقضايا الترجمة منها وإليها ارتبطت باللغويات المقارنة في مسيرة غنية بالتنوع والعطاء، والتقييم النظري والتطبيقي لآليات تدريسها بالتقنيات الحديثة.

وقد عكف المسشرقون على دراسة اللغة العربية التى نالت الاهتمام العلمي فى الأكاديميات  العالمية المختلفة ، خاصة الشعر العربى القديم، والكتب التراثية النادرة مثل ألف ليلة وليلة . وقد كنت أستاذاً زائرا لجامعة أوساكا باليابان، وبها أعرق قسم للغة العربية، وشاركت أساتذتها في تدريس اللغة العربية، وترجمة بعض تراثها الأدبي شعرا ونثرا، قديما وحديثا. وللقرآن الكريم ترجمات مهمة إلى اللغة اليابانية.

وقد نشأ الاهتمام باللغة العربية في اليابان لأسباب سياسية ، لكنه انتهى إلى غاية علمية لها مكانها في المؤتمرات الكثيرة التي تعقد في اليابان، خاصة الجمعية اليابانية لدراسات الشرق الأوسط :

Japan association for middle east studies

وهي أكبر مؤسسة علمية في اليابان لدراسة اللغة العربية وحضارتها، قديما وحديثا، وقدمت أبحاثا مهمة،  وكتبا كثيرة فيها.

ويمثل الخط العربي ملمحا جماليا للغة العربية ويشتهر بكتابته بعض الغربيين. وتحظى  ما تنطوي عليه الثقافة العربية من فكر وفن  وعلم وقيم حضارية إنسانية رفيعة باحترام دارسى اللغة العربية فى العالم .

وذخائر اللغة العربية من مخطوطات وكتب ثمينة ماثلة أمام المستشرقين بمكتبات بريطانيا وفرنسا وإسبانيا وهولندا وتركيا وغيرها من بلاد العالم. وحاجة المسلمين منهم ماسة لتعلم اللغة العربية لقراءة القرآن الكريم، خصوصا في الدول الإسلامية الكبرى كأندونيسيا وماليزيا ، ودور الأزهر الشريف قوي في هذا السبيل.

ودور الأكاديميات العربية بالغ الأثر في التفاعل الثقافي العربي الغربي. ودور المجامع العربية مهم في رصد متغيرات اللغة العربية، والحفاظ على تراثها الأصيل، قديما وحديثا. والاهتمام لازم لحفظ اللغة العربية إزاء الاستهتار بها، خصوصا من الشباب العربي المنغمس في لغة خاصة بعالم الإنترنت بعيدة كل البعد عن اللغة العربية وثقافتها الأصيلة وحضارتها العربية الإسلامية الرصينة. ولابد من إذكاء التيار  العلمي والتعليمي والإعلامي والفني الذي يؤدي إلى تنمية الذوق البلاغي في أداء اللغة العربية اتساقا مع المنحى الأخلاقي الإنساني الذي هو وسيلة اللغة العربية العريقة وغايتها.

لقد أوصت المجامع العربية، والمؤتمرات الكثيرة بإصلاح اللغة العربية، ووضعت برامج مهمة لهذا الإصلاح.

ونرجو أن تتحقق الآمال المرجوة لنهضة اللغة العربية ، وقد خطت الدول العربية خطوات واسعة فى التقدم العلمى الكفيل بهذا إن شاء الله .

شاهد أيضاً

إمام السلام … بقلم: عادل عبدالستار العيلة

عدد المشاهدات = 4112 بين ضفاف الصعيد الجنوبي حيث تشكّلت البدايات، وأروقة الأزهر الشريف التي …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.