الخميس , 24 أبريل 2025

ضحى أحمد الباسوسي تكتب: صوت غير مسموع!

= 8404

كانت تجلس في زاوية الغرفة، حيث الأشباح تتراقص حولها في صمت، وكأنها أصبحت واحدة منهم. همست لنفسها: “لم يعد هناك من يهمه أمري”، وكأنها ورقة خريف سقطت من غصن الحياة، تتقاذفها الرياح دون أن تلتفت إليها الأعين. عيناها تروي حكاية غيابها عن الوجود، كنافذة مغلقة منذ زمن بعيد، لا يدخلها ضوء النهار ولا يخرج منها بريق الأمل. “أصبحت مهمشة تماماً”، قالتها بصوت يكاد يكون مسموعاً، كظل شجرة عتيقة في حديقة مهجورة، لا يتوقف عندها أحد للاستراحة.

كانت كلماتها تطفو في الهواء، كما تطفو الزبدة على سطح القهوة، لكنها سرعان ما تتلاشى دون أن تترك أثراً. تنهدت بحرقة، وكأنها غيمة تمطر في صحراء، تبتلعها الرمال ولا ينبُت منها شيء. في محاولاتها المستمرة للتواصل، كان صوتها يضيع في ضجيج الحياة، مثل نغمة رقيقة في وسط سمفونية صاخبة. “رأيي غير مُنصت إليه”، ترددت تلك الكلمات في أعماقها، كما يتردد صدى في كهف عميق، يسمعه فقط الجدران القاسية التي لا تستجيب.

وجودها كان كطيف شفاف يمر دون أن يشعر به أحد، كظل قمر على سطح بحر هادئ، يمر عليه الجميع دون أن يعيروه اهتماماً. “لم يعد صوتي مسموع، ووجودي غير ملحوظ”، كررتها بهدوء، وكأنها تمسح على جراحها بكلمات لا تجلب سوى المزيد من الألم. كانت هناك، لكنها لم تكن. كحلم جميل لا يتذكره أحد، كأغنية قديمة نُسيت كلماتها. كانت تتمنى لو أن أحداً يرى ما خلف العيون، أن يسمع ما وراء الصمت، أن يشعر بالوجود الخفي الذي يتوق للظهور، ولكنه يبقى محبوساً في سجن الإهمال.

بهذه الأفكار، كانت تبتسم بمرارة، كزهرة جميلة تُركت في زاوية مظلمة، تنتظر شعاعاً من الضوء يعيد لها الحياة، تنتظر من يعيد لها صوتها المسروق، ويحيي وجودها المندثر في عالم الصخب.

شاهد أيضاً

سهير عمارة - كاتبة 023

د. سهير حسين تكتب: الأرض التي لم يُعصَ الله عليها قط

عدد المشاهدات = 5143 تخيل أرضًا لم يُسفك فيها دم، ولم يُرفع عليها صوت ظلم، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.