السبت , 14 فبراير 2026

شاهندا البحراوي تكتب: الزواج.. كما نعيشه ..لا كما نروج له! 

= 18297

هل الزواج أمنية أم مسؤولية؟

يطرح سؤال الزواج دائما باعتباره أحد أهم الأسئلة المصيرية في حياة الإنسان، لكنه يظل محملًا بتصورات متناقضة، خاصة داخل مجتمعاتنا العربية.

فالزواج، بالنسبة لكثير من النساء، يقدم على أنه أمنية كبرى: بيت دافئ، شريك حياة، واستقرار عاطفي يحقق لهن الإحساس بالأمان والانتماء. بينما ينظر إليه عند أغلب الرجال باعتباره مسؤولية؛ مسؤولية تكوين أسرة وتوفير حياة كريمة، ووسيلة لتحقيق الاستقرار الاجتماعي.

لكن السؤال الحقيقي يظل قائما: هل هذه هي الفكرة السائدة للزواج في واقعنا الحالي؟

للأسف، عند قطاع واسع من المجتمع، تحول الزواج من شراكة إنسانية إلى معادلة مختلة، تقاس فيها الأمور بمعايير مادية وشكلية بحتة، ويتم تجاهل الجوهر الإنساني والروحي للعلاقة.

فالمرأة تحاصر منذ سن مبكرة بفكرة أن القبول أهم من الاختيار، وأن الزمن ليس في صالحها. وإذا مارست حقها الطبيعي في الرفض، لأي سبب كان، تبدأ الأحكام القاسية في الظهور، ويلوح لها بلقب «عانس»، وكأن الزواج غاية في حد ذاته، لا تجربة حياة يجب أن تقوم على الرضا والتكافؤ.

في المقابل، يمنح الرجل مساحات واسعة للاختيار، بغض النظر عن فارق العمر أو التوافق الفكري أو النفسي، طالما توفرت لديه الجاهزية المادية. وهنا تتحول العلاقة إلى صفقة غير متكافئة، يكون فيها المال هو المعيار الأساسي، لا الوعي ولا النضج ولا القدرة على بناء بيت سليم.

وتحت ضغط المجتمع، قد توافق بعض النساء على زيجات تفتقد إلى الحد الأدنى من التفاهم، فقط هربا من الوصم الاجتماعي. لكن ما يقدم على أنه «ستر» أو «أمان» يتحول سريعا إلى بداية لمشكلات معقدة، نتيجة غياب الانسجام الفكري والروحي، واختلاف الرؤى حول أبسط تفاصيل الحياة.

وحين تفشل التجربة، وتطلب المرأة الانفصال، تبدأ معركة جديدة؛ إذ لا ينظر إلى الطلاق بوصفه حلا أخيرا لعلاقة غير صحية، بل تعامل المطلقة كأنها خطأ يجب التحذير منه، أو تجربة فاشلة تحمل مسؤوليتها كاملة، بينما تدفع أخريات إلى الصمت والتنازل، فقط حفاظا على الصورة الاجتماعية.

ومن زاوية أخرى، نشهد نمطا مختلفا لكنه لا يقل تشوها؛ حيث تختزل العلاقة الزوجية في معادلة سطحية: هي تبحث عن الأمان المادي، وهو يبحث عن الجسد. وتبدأ مرحلة التجمل الزائف، فيخفي كل طرف عيوبه، ويتقمص دور المثالية، إلى أن تسقط الأقنعة بعد الزواج.

والنتيجة واحدة في الحالتين: زيجات هشة، وسرعة في الانهيار، وانتشار لظاهرة الطلاق المبكر، التي أصبحت من أبرز سمات هذا العصر.

المشكلة الحقيقية لا تكمن في الزواج ذاته، بل في سوء فهمنا لمعناه. فالزواج ليس مجرد توافق اجتماعي أو مادي أو ثقافي، بل هو شراكة إنسانية قائمة على المودة والرحمة، كما ورد في قوله تعالى: «وجعل بينكم مودة ورحمة».

ولو تحررنا من الهوس بالمظاهر، وتخلينا عن التقييم السطحي للأشخاص، وركزنا على الجوهر الإنساني واكتمال الروح، لاختلفت تجاربنا، واستمر الحب والتفاهم سنوات طويلة، دون أن يتحول الزواج إلى عبء أو صراع.

ليس السؤال: متى تزوجنا؟ بل السؤال الأهم: هل عشنا زواجا حقيقيا؟

في أحاديثي مع عدد كبير من النساء المتزوجات، طرحت هذا السؤال البسيط: كم عاما عشت زواجا قائما على الحب والتفاهم والمودة؟ فجاءت الإجابات صادمة. بعضهن اكتشفن أن الزواج الحقيقي لم يدم سوى أسابيع، وأخريات أياما، بل إن إحداهن قالت: «ولا لحظة».

تلك الإجابات كانت كاشفة لحقيقة مؤلمة: كثير من العلاقات تستكمل شكليا، بينما تغيب الروح، ويدفن الإحساس تحت وطأة الواجب والخوف من المجتمع.

من هنا، يصبح التمرد ضرورة، لا رفاهية. التمرد على الأفكار المشوهة، وعلى الأحكام الجاهزة، وعلى القوالب التي تفرض على النساء باسم العادات والتقاليد.

فمحاولة إرضاء الجميع وهم مستحيل. المرأة ستدان إن اختارت، وستدان إن رفضت، وستنتقد في كل الأحوال. لذلك، يصبح الاختيار الأصدق هو ما يرضي الله أولًا، ثم يرضي الإنسان مع نفسه.

لقد أدركت أن لقب «عانس» لا يعني الفشل، بقدر ما قد يعني النجاة. فالمرأة التي لم تتزوج، ربما حماها الله من تجربة زوج فاشل ، أو من شراكة بلا روح.

ولهذا، أفضل أن أعيش حياتي كاملة، واعية، حرة، حتى وإن تأخر الزواج، على أن أعيش داخل علاقة بلا روح ، تحت مسمى «الزواج الفاشل».

شاهد أيضاً

الكتابة روشتة للعلاج النفسي بلا أعراض جانبية

عدد المشاهدات = 11081  بقلم: د. سناء الجمل في عالم تتزايد فيه الضغوط النفسية، وتتشابك …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *