الإثنين , 30 يناير 2023

“ســر المبروك” … قصة قصيرة بقلم مروة حمزة

= 10718

 

“أنا المبروك ملك الملوك يا غجر يا صعاليك” 
رأيته لأول مرة جالسًا على رصيف الجزيرة الفاصلة بين مساري السيارات شحاذ عجوز رث الثياب قبيح المنظر، ممسكًا بعكازِ خشبي بيده اليمنى وقد أسنده على الطريق وباليسرى راح يلوح لراكبي السيارات المارة أمامه، يحدثهم بصوت عال، يدعو لهم ويسبهم في ذات الوقت، ويدعوهم للجلوس بجانبه ليصنع لهم الشاي، يضحك مرة ويغضب مرات، ويعلو صوته إذا عفرته السيارات بغبار الطريق ويسب المارة ويقول :” أنا المبروك ملك الملوك يا غجر يا صعاليك “
اخافتني ضحكاته العالية وصرخاته المزعجة التي أظهرت تجاعيد وجهه المغطى بشعر رمادي كثيف، اختبئت خلفه ملامحه الخشنة ، ووجه العريض الذي ملئه السواد لكثرة اتساخه وحرقه بأشعة الشمس .
جاهدت نفسي على الاقتراب منه بعد أيام من التفكير والتردد، سرت على الجزيرة التي يجلس دومًا فوقها وتقدمت حتى أصبحت على مقربة شديدة منه، نظرت له وابتسمت لاخفي خوفي وتوتري من انفعالاته الغير متوقعة، قلت بصوت عال كي يسمعني :
– أهلا يا “عم مبروك” تسمح لي بالحديث إليك لبعض الوقت .-
أشار لي بالجلوس بجانبه ، تغلبت على خوفي واستجبت له ، جلست لربما نفذ طلبي.
أخذت قطعة شيكولاتة من حقيبتي ومدتها له، فأخذها مني،فتحها والتهم نصفها، نظر لي وهز رأسه كمن يشكرني فضحكت له فإذا به يضع النصف الآخر بيده المتسخة في فمي، شعرت بأني سأتقيأ من فعلته المقززة الغير متوقعة لكني تحاملت على نفسي وتركتها بين أسناني، لم أجرؤ على غلق شفتاي عليها أو سحبها لداخل فمي، وبمنديل التقطها بسرعة حين أشاح بوجهه عني بعدما ألقى أحد قائدي السيارات وقد أوقفته الإشارة بجانبنا، بأوراق نقديه بحجره الممتليء بالنقود المعدنية والورقية وبعض الطعام .
تحركت السيارات مرة أخرى بعد فتح الاشارة ، ورأيت الفرصة قد حانت لأقدم نفسي له، وقلت:
عم مبروك أريد أن أتحدث معك في مكان غير هذا .-
لم يلتفت لي وراح يهز رأسه ويتفوه بكلمات غريبة لم أفهم منها سوى :
– أنا المبروك ملك الزمان والمكان يا إنسان ويا حيوان .. انا المبروك انا المبروك ملك الليل والنهار.
-أهلا بك يا عم مبروك أريد أن أقدم لك خدمة لربما استطيع مساعدتك .
– لا احد يساعد المبروك .. انا ملك الملوك .
– نعم يا عم مبروك سنساعد بعضنا أنت تقدم لي خدمة مقابل ما سأفعله لك، ستنال نقودًا كثيرة وعروضًا مغرية وربما منزلًا بالمالديف وسيارة فاخرة وزوجة حسناء .
ضحكت وكتمت ضحكتي حينما نظر لي بعينيه الغائرتين التي اخافتني وقد غطتهما حاجبيه الكثيفان، ولا اعرف هل ضايقته كلماتي أم سرته.
وراح يغني : أنا المبروك .. أنا المبروك ملعون ابوك يا فقر حوجتني للأندال .
صمت وشعرت بأن الصمت هو الرد الوحيد على إهانته لي ولملمت أشيائي وقمت من جانبه، كرهت العجوز المتشرد بذيء اللسان وعبرت الشارع مبتعدة عنه وعن ضجيج السيارات ، سرت بأحد الشوارع الجانبية وأنا ألعن الشحاذ والمجلة ، لقد اتسخ ثيابي الأبيض تحول للأسود، ما هذه الحماقة كان علي أن أختار ما أرتديه لمثل هذا اليوم الثقيل، رحت أحدث نفسي شعرت بأن أحد المارة ينظر لي وكأني جننت.
عدت للمجلة وهرولت لدورة المياه لأغسل وجهي وأمضمض فمي بالماء والصابون جيدًا أشعر بأن أنفاسه الكريهة عالقة بجوفي، وضعت كم كبير من العطر ليخفي شعوري بالضيق من الرائحة .
توجهت لمكتبي وجلست أمام اللاب توب ،سرت أقلب في الاخبار وأنا اضع سماعة بأذني أستمع لأغاني شعبية لترفع حالتي المزاجية التي تعكرت بفعل “المبروك نتن الرائحة ” .. فتحت زجاجة مياه غازية وشربت منها وقد قررت أن أصرف نظر عنه.
لم يمر أكثر من ربع ساعة وقد دخل رئيس القسم ، سحبت سماعات الاذن، أغلقت الأغاني وركزت فيما سيقوله لي ولزملائي وقد وقف في نصف صالة التحرير يعلن عن المسابقة :
– ها أيها المحريرين الشباب ، لا أريد أن أكرر كلامي وأذكركم بموعد نشر العدد الشهري للمجلة وسرعة التقدم بموضوعات المسابقة، فمن سيفوز منكم سينشر موضوعه دون حذف أي كلمة منه بالموقع الالكتروني وبالمجلة الورقية ، سينشر عنوانه على الغلاف الرئيسي للمجلة مع صورة للموضوع والفائز، هذا غير المكافأة المالية الكبيرة التي وعدكم بها رئيس التحرير غير مزايا أخرى سنفاجئكم بها بعد إعلان الفائز الأول والثاني والثالث.
تركت زجاجة المياه الغازية ووقفت أنظر لرئيس القسم وهو مازال يتحدث ولا أراه ولا أسمع صوته، بل أرى “الشحاذ” أمامي بمعطفه الشتوي الممزق وحذائه البالي، وأنا بجانبه على غلاف المجلة وبيدي كأس الفوز وظرف به المكافأة المالية الكبيرة وزينات ذهبية وفضية وشرائط لامعة تتساقط فوقي وحولي أصدقائي يصفقون لي وفي أعينهم الغيرة متمنيين الوقوف مكاني وأنا أشعر بنفسي نجمة لامعة في عالم الصحافة.
خرج رئيس القسم وبدأ الجدال يحتدم بين المحررين حول مسابقة العدد والمكافأة المالية والمفاجآت الغير معلنة، اختلفت الآراء وكلا تمسك برأيه فمنهم من رأى نفسه الأولى بالفوز لكونه الأجدر بثقة الرؤساء، ومنهم من ظل يحبط من عزيمة المتحمسون بالفوز وقال أحدهم
بثقة :
-“كوسة ووسايط .. والفائز معروف واسمه مكتوب عند الجهات العليا “.. وراح ينظر لبعض الزملاء بعيون كلها اتهامات لقربهم من رئيس التحرير ويغمز لزملائه ويقول متأففًا :
– ” كله مسجل في الدفاتر ،لا أحد يشارك في هذه المسرحية الهزلية ”
ومنهم من شكك في الجوائز، وآخرون تراهنوا على أكذوبة المسابقة ، أما أنا فقد أثرت الصمت ولم أرى من المشهد كله سوى “المبروك “.
**
في اليوم التالي ذهبت لنفس المكان لأجده كما هو يجلس فوق الجزيرة بين المسارين، اقتربت منه وكنت أكثر جرأة، ارتديت بنطال غامق اللون وقميصًا أزرق تفاديًا للاتساخ، سمعت صوته العالي وكلماته التي أصبحت أميزها عن زي قبل :
أنا المبروك ملك الملوك .. أنا المبروك ملك الزمان لا اخاف من إنس ولا من جان. –
وقفت بجانبه وبقدمي هززت عصاه، فنظر لأعلى ليراني أمامه ، كنت لا أخافه تلك المرة ، نظرت له بتحدي وعند لرغبتي في الوصول لهدفي فلن أعود كيوم أمس بخفي حنين.
– قم يا عم مبروك أريد التحدث معك في أمر خطير وهام .
وألقيت بحجره عشرة جنيهات، نظر لها ولم يتحرك وظل ينادي للمارة على الجهة الأخرى من الطريق ويلوح للسيارات ، ثم نظر للسماء وتحدث بصوته العالي :
انا المبروك يا رب لا تحوجني للأندال والصعاليك و… ..-
غضبت وقاطعته بأن ألقيت بعشرة أخرى بحجره وصرخت به :
– قم يا رجل أريد التحدث معك ولن أعطيك أكثر من هذا حتى نتفق .
هززت عصاه مرة أخرى بقدمي وانتشلتها بيدي، فاجئني ثقل وزنها ومقبضها انحاسي الذي شُكل على هيئة أفعى “الكوبرا” شعرت برهبة من نظراتها الحادة، تركتها له، وتسائلت كيف لهذا المتشرد أن يحمل عكازًا فخمًا كهذا أعرف جيدًا أنه غالي الثمن وإن قد أختفى بريقه خلف الأتربة والأوساخ المتراكمة عليه.
رفعت صوتي لأشعره بأهمية طلبي :
قلت لك قم فالأمرهام وعاجل كما قلت لك، سأدعوك على الغذاء في مطعم فاخر. –
قام أخيرًا معي بعد أن وضع أشياءه ونقوده التي جمعها من المارة والسيارات بجيوب معطفه .
وسرنا باتجاه المطاعم وكان المنظر مثير لفضول المارة ينظرون لي كيف أسير بجانب هذا الشحاذ، لم أهتم بنظراتهم ، وأجلسته أمام أحد المطاعم على مقعد خشبي تحت شجرة لعلها تحجب عنا الفضوليين .
وتركته بعد أن وعدته بإحضار وجبة طعام له، لم أتاخر عنه فكنت أنظر له خوفًا من أن يترك المقعد ويختفي.
وعدت له حاملة معي وجبة رز بقطع الفراخ والخضار.
– تفضل يا عم مبروك.
امسك بالمعلقة وراح يأكل بنهم وحين رأني أحمل هاتفي وأستعد لتصويره توقف عن الاكل ومنعني ولكني اقنعته بضرورة تصويره ولو رفض العرض لمسحت الصور على الفور أمامه، وافق واستمر في الأكل وأنا أصوره، وظل يلتهم ما في الطبق وقد وقع منه ما وقع على ذقنه الطويلة وملابسه.
فرغ من طعامه وفرغت من تصويره ..
-ها يا عم مبروك حان الوقت لكي نتفق على صفقة العمر لي ولك ..
– أخيرًا تحدث الرجل كعاقل وسألني : ماذا تريدين مني؟
– أريد حياتك
تعجب من قولي ونظر لي بذهول.
ضحكت وقولت لأخفف من كلماتي التي أزعجته :
– أقصد قصة حياتك يا “عم مبروك” وكل شيء عنك أريدك بطلا لقصتي لأفوز بمسابقة المجلة التي أعمل بها، ولو فزت بالمسابقة لك مني نصيب ليس بقليل من مكافأتي التي لا أعلم قدرها حتى الآن، غير الشهرة التي ستنالها والعروض التي ستقدم لك على طبق من ذهب أنت تعلم ما يحدث على صفحات التواصل الاجتماعي ،، أو ربما لا تعلم ولكني سأشرح لك كل شيء في حينه .
شعرت بموافقته حين هز لي رأسه، جلست بجانبه وأمسكت بهاتفي وفتحت التسجيل لاستمع لقصته وقد شعرت بالانتصار والارتياح ، أخيرًا راوضت “المبروك”، بدأ يحكي وأنا أشعر بأني سأستمع لأغرب قصة في التاريخ .
راح يدعو كمن ينشد بنبرة صوت مختلفة تارة يعلو من صوته وتاره يخفضها:
انا ” المبروك ” صاحب الكرامات والامنيات أجلب الحظ والحبيب واقرأ الكف وأعلم الغيب الذي لا يعلمه غير الله ولا يهبه سوى لمن كشف عنهم الحجاب ..
♫ ♫ ♫
يا الله يا الله .. لا تحرمني من كرمك ،وعطفك .. يا حي يا مجيب يا عالم الغيوب..
يا الله يا مالك الكون كله ..
وكلتك أمورى تولى أنت الله وأنت الطبيب
أشفي قلب سبح وصلى
وأجعل لي فرج يالله قريب
واجعل غمامة الهم تجلا ..
يا مفرج كروب المكاريب …
ضاقت علي المهاليب والمشكى لغيرك مذلة ..
يا الله يا حي يا حي يا عالم الغيب.
♫ ♫ ♫
راح ينشد ويهز رأسه ثم صمت ، فقلت له :
– أكمل يا عم مبروك لا تتوقف ، فبطارية هاتفي لن تتحمل صمتك الطويل.
تابع حديثه وهو يمد في الكلمات ويلوح بيديه لليسار واليمين كمن يمثل على المسرح للجمهور:
ولكن الاشرار أوقعوا بي ولم يهنأ لهم بال حتى شردوني بعد أن طردوني من مسكني واشتكوني لأعوان الشياطين سجنوني وأهانوني لأخرج من السجن للشارع بلا بيت ولا مأوى أتسكع على الأرصفة .. تركت كل شيء بعد أن تخلى عني زبائني لسجني واتهامي بالدجل والشعوذة، جلست افترش الرصيف أمد يدي للجبناء والصعاليك والأندال .. بعد أن كنت ملك الزمان والمكان.
يا الله يا الله .. لا تحرمني من كرمك وعطفك ..
يا حي يا مجيب .. يا مفرج كروب المكاريب …
اجعلي فرج قريب واجعل غمامة الهم تجلا.
راح يدعو ويحكي وينشد ، وأنا أنصت وأسجل كل ما يقوله، استوقفه لأعرف اي معلومات تفيدني في موضوعي، فيرد على قدر سؤالي عرفت أن لديه ولدان لا يسألوا عنه وزوجته توفت بعد ان تملك منها المرض أما ابنائه جاحدين لا يعرف لهم مكان .. وأراد مني أن ابحث عنهم واكتب في المجلة أين أبناء المبروك ؟ وأوجه نداء للبحث عنهم .. وطلب مني بيت يأويه ومال يكفيه وعمل يغنيه عن السؤال.
قصة متكررة معتادة لا جديد بها .. ، شعرت بالإحباط فكنت أريد موضوع أكثر إثارة وغرابة ، ويأست من الفوز .. فموضوعي عن دجال أصبح مشردًا .. ما الجديد في الأمر .. لا شيء ..
وفي طريقي للعودة لمنزلي قررت أن أضع الصور التي كانت أكثر إثارة من الموضوع نفسه وأن أنسج من حكايته العادية قصة تثير تعاطف من يقرؤها على موقع المجلة الالكتروني، وصلت لمنزلي ودخلت غرفتي دون أن أتحدث لامي ولا إخوتي كنت صامتة شاردة في قصة الدجال الذي تحول لمتشرد ،جلست على مكتبي وأمسكت بقلم وروحت أفرغ كل كلمة قالها حتى لو تافهه ، صرت أكتب أكثر من عنوان للقصة ،، “المبروك ” ، ” العجوز المشرد” ، ” شحاذ وسط البلد” .. ” مبروك الدجال” ، “فتنة مبروك” ، ” الشحاذ مبروك” !!
… نعم هذا الاسم الاخير هو أفضلهم تيمنًا بـ”الشحات مبروك” بطل كمال الاجسام السابق والممثل المشهور وتمحكًا في شهرته لعل القصة تلفت الانتباه وتعلو نسب المشاهدة حين تقع عين المترددين على مواقع التواصل وشبكة الانترنت على العنوان، بالتأكيد سيقرأ القصة لمعرفة المقصود بـ ” الشحاذ مبروك” .. عنوان يشد من يقرؤه ويثير الحيرة والفضول ومعه ستعلو نسب المشاهدات حتى لو كانت القصة عادية لدجال مشعوذ تحول لشحاذ مشرد .
سهرت على قصتي .. ها أنا أخيرًا فرغت من كتابتها، وفي الخاتمة لمحت بأن القصة عن أحداث واقعية لشخص حقيقي لكسب الأصوات وسرعة الانتشار، وطلبت من الدولة والمسئولين بوزارة التضامن بضرورة الالتفات للمشردين بالشوارع خاصة العجائز منهم الذين فقدوا عائلاتهم وبلا سكن ولا مأوى ولا عمل.. روحت أثير تعاطف القاريء وأحمله مسئولية النظر بنظرة العطف لهؤلاء المشردين العجائز ضعاف الحيلة وعدم الاشمئزاز منهم.
تركت القلم من يدي ونمت فالوقت متأخر وغدًا يوم تسليم موضوعات المسابقة.
واستيقظت مبكرًا على صوت منبه الهاتف ..
توجهت للمجلة ، وقد أرسلت موضوع المسابقة على “الواتس” الخاص برئيس القسم ، ولم أشعر بأن قصتي ستفوز.
ولكن الحظ ابتسم لي حين أعلن رئيس القسم عن الفائز وجاءت قصتي في المركز الأول، ليس لكونها الأفضل ولكن لان من تقدم للمسابقة قلة قليلة، بعد أن شكك في أمر الفوز المشككون، وامتنع المتشائمون عن المشاركة، ولم يتبقى سوى قلة من صغار المتدربين وأنا منهم تقدمنا بقصصنا للمسابقة، وكانت معظم القصص دون المستوى، فاختيرت قصتي لأنها الافضل فيما تقدم.
وكما توقعت صور “عم مبروك” بثيابه الرث وحذائه المقطع وملابسه البالية ،مع العنوان المثير ” الشحاذ مبروك” ، أثارت فضول القراء وعلت نسبة المشاهدة وأحدثت ضجة كبيرة، وسرعة انتشار على مواقع التواصل، ومنهم من تعاطف مع “عم مبروك” بشكل أكثر إيجابية ، واتصل بالجريدة وبادر بمساعدته ماديًا وبتوفير سكنًا له بشرط أن يرى العجوز بنفسه، كما اهتم المسئولين بوزارة التضامن وأبدوا رغبتهم في مساعدته بوضعه في إحدى دور المسنين .
حصلت على مكافأة مالية قيمتها خمسمائة جنيه، كنت انتظر أكثر من ذلك ولكن لا يهم يكفي سعادتي الغير متوقعة لما أحدثته القصة من نسب مشاهدة عالية، وبعد أن أصبح موضوع ” عم مبروك” ” تريند ” تتناقله مواقع التواصل الاجتماعي ، اتصلت بي أكثر من فضائية لمعرفة التفاصيل، وانهالت الدعوات لحضور البرامج ومعي عم مبروك.
فجأة تذكرت بأني أهملت العجوز، وقد وعدته بنصيب من المكافأة، حتى وإن كانت قليلة وعلى غير توقعي، ولكنه وعد ودين علي، شعرت بأني فعلا كما وصفني بـ ” الاندال”، سعادتي بالفوز أنستني الرجل، ذهبت أبحث عنه في مكانه، لم أجده اختفى تمامًا ، أين هو ؟ سألت عنه المحلات القريبة قالوا لم نراه منذ أسبوعين، أي منذ نشر الموضوع .
أين أنت يا عم مبروك ؟ ما سر اختفاءك يا رجل؟ ولماذا لم تتواصل معي ومعك رقم هاتفي لتحصل على جائزتك؟ أو حتى تهتم بمعرفة ماذا حدث بموضوعك؟
وضعني بموقف سيء بعد أن طلب بعض مذيعي البرامج لقاؤه ولم أعثر على آثر له.
مر شهر وعم مبروك لم يظهر، كل يوم أذهب لنفس المكان، وانظر للجزيرة حيث يجلس فلا أجده .
هل مات الرجل؟؟ حتى لو مات أين جثته ؟؟
بحثت عنه في المستشفيات الحكومية المحيطة بالمكان ، وأقسام الشرطة وسألت عنه أصحاب المحال القريبة من المكان الذي يجلس به .. لا أثر له ..
مر شهر آخر وكما صار ” ترند ” لبعض الوقت اختفى الاهتمام به وكأنه لم يكن، خاصة لعدم ظهوره.
أما أنا فظل الرجل عالقًا في ذهني لأسابيع حتى مللت وبدأت أنسى أمره .
***
وفي يوم خرجت مبكرًا من عملي لحضور ندوة ثقافية كنت مكلفة بتغطيتها ، فاجأنا المحاضر بالاعتذار عن المجيء وأجلت الندوة، كان الوقت مازال مبكرًا لم أعد للمجلة واستأذنت رئيس القسم أن أستكمل اليوم راحة وكنا في نهاية الأسبوع، ووافق دون ضيق فكنت نادرًا ما أحصل على اجازة أو إذن، رأيتها فرصة لأشتري بعض الأشياء من وسط البلد كنت أجلتها لأكثر من مرة، سرت بين الطرقات والمحال حتى وصلت لـ”شارع الألفي”، وهو المكان المحبب لنفسي، جلست على أحد المقاعد أمام مطعم “آخر ساعة” وبدأت أتناول فطاري قبل شراء احتياجاتي ، وفجأة لمحت رجل من ظهره بمعطف يشبه معطف “المبروك” ويمسك عكازًا بيده، لعله هو!! تحدثت لنفسي وقمت على الفور وأخذت طعامي بحقيبتي وسرت وراءه دون أن أشعره بأني اتتبعه، كنت أريد التأكد هل هو عم مبروك أم شخص أخر يشبهه ؟؟
رأيته وهو يقطع شارع الألفي ويخرج لشارع 26 يوليو ، اقتربت منه بحذر حتى تأكدت أنه هو “عم مبروك” لم أناديه وتراجعت للسير خلفه، حتى وصل لمحطة الأتوبيس وصعد لأحدهم، ركبت معه من الباب الخلفي وظللت على مسافة بعيدة منه حتى لا يراني وبعد نصف ساعة أو أكثر، نزل من الاتوبيس ونزلت وراءه فإذا به يبتعد عن الطرق الرئيسية ويدخل لمنطقة متطرفة بها مقابر لأول مرة أرى هذا المكان، استمريت في سيري خلفه حتى صعد على سلم بحارة ضيقة ودخل لمنزل قديم شبه متهالك ملاصق للمقابر.
ما هذا المكان الذي أنا به شعرت بخوف شديد وندمت على تتبعي له، وقررت العودة ، ولكن حدثني عقلي ان هناك شيئًا يخفيه العجوز، نظراته أثناء حديثي معه تدل على سر ما لم يعلن لي عنه.. حتى عكازه الابنوسي ذو رأس الكوبرا النحاسي، سألته عن سره فقال انه اقتناه من أحد الأثرياء حين فك سحر ابنته وشعرت بكذب قوله من تلعثم كلماته وزوغان عينيه ، رفض الافصاح عن مكان نومه وأكد لي أن كل الشوارع والارصفة بيوت له وها هو الآن يتجه لمنزل ربما هو سكنه الذي أخفاه عني.
رغبتي لمعرفة سر الرجل دفعتني لأدخل وراءه لهذا البيت المهجور غريب الأطوار .
بيت هربت منه الحياة ،قديم الهيئة ، بني من حجارة أزال طلاؤها الزمن، اكتسبت اللون الأسود بفعل الاتربة والادخنة، المنزل مكون من طابقين تعلوه غية حمام خشبية محطمة، كان بابه الامامي مفتوحًا نصف فتحة وزجاجه مكسور، دخلت بحذر شديد، فوجدت سلم من ثلاثة درجات قادني لقبو بابه قصير وشديد الضيق يبدو لمن يراه كنافذة، لا أعلم كيف تسلل منه “المبروك” واختفى بداخل القبو، وقفت بجانب الباب أبحث عن أي ثقب به لأرى ما بالداخل فلم أشاهد سوى الظلام، ركعت على ركبتي وانخفضت لأسفل وأرحت أذني عليه لعلي أسمع أي شيء، ولسوء حظي جرت بجانبي قطة، يبدو أنها استيقظت بسببي، وخرجت مسرعة كمن أفزعها، لمست قدمي، أرعبتني، صرخت دون قصد مني ووضعت يدي على فمي وهممت بالهروب، وإذا بباب القبو يفتح فجأة ولم أشعر سوى بيد تسحبني بشدة للداخل ليرتطم رأسي بشيء ثقيل ووقعت على الأرض وغبت عن الوعي.
**
أفقت على ماء تناثر فوق وجهي لارى نفسي ملقاه على أرض خشبية قبيحة، رفعت رأسي لأعلى فإذا بـ “الكوبرا” تنظر لي ارتجفت من الرعب واعتدلت بصعوبة فيدي مقيدة بحبل متين، لأرى “المبروك” جالسًا على مقربة مني يحملق في.
صرخت فرفع “الكوبرا” لأعلى ودب بها على الأرض، وقال بغضب :
– أصمتي فلن يسمعك أحد هنا ولن يهتم لأمرك انسان ، من أنتي ولماذا أتيت ورائي.
ارتجفت من الخوف وقولت بسرعة دون تردد :
– انا “ملك” يا عم مبروك ألا تعرفني الصحفية بمجلة ” قواقع ” كل ما أردته قصة لافوز بالمسابقة، وكنت أبحث عنك لأعطيك نصف المكافأة كما وعدتك ونتصور سويًا كما فعلنا من قبل ألا تشاهد صورك على المجلة.
قال بغضب : وهل هذا كل شيء ؟ ولماذا أصدقك ؟؟!!!
-أقسم لك بأني لا أخفي عليك شيئًا .
وتوسلت له أن يتركني ، وفجأة سمعت صوت شخص يتأوه بآخر الغرفة ولأن المكان مظلم لم أستطع رؤيته، امسك “المبروك” بكشاف ووجه نحو الصوت فأضاء المكان ، فإذا برجل مقيد بسلاسل حديدية وظهره للحائط والدم يتساقط على وجهه.
نزلت على صاعقة حتى صوتي تلاشى، امسك كوب ماء وتوجه نحو الرجل وسكبه على وجهه ، فانتفض الرجل وصرخ وتوسل له وقال :
– اتركني يا يونس، لم أتي لقتلك كما ظننت، أرجوك اتركني ولك ما تريد .
قاطعة وصرخ:
– ولماذا اتيت إذًا هل لتتصور معي مثلها.
رد الرجل سريًعا:
صدقني يا “يونس” أتيت لأعوضك عن كل ما مر.-
ضحك “المبروك” عاليًا وقال له وهو يشير لي بيده :
– وكيف أصدقك أيها الخائن، لقد وافقت تلك الفتاة على تصويري ونشر الموضوع لا للمسابقة كما أرادات ولا للمكافأة التي وعدتني بها ولكن لسهولة وصولك إلي بعد أن علمت أنك كرست حياتك للبحث عني، ولكني لم أتوقع أن تصل بهذه السرعة، قمت بصيدك قبل أن تصطادني، وها قد اتيت وتتبعتني كما فعلت هي لتصبحا أنتما الاثنين كفأرين في المصيدة، وإن كنت لا أريد منها أكثر مما فعلت، فإني أريد منك ما تريده أنت مني “حيااااتك” .
ضحك بصوت أعلى وأكمل حديثه :
– نعم أريد حياتك كما سلبت حياتي وعمري، لقد تبدلت الأوضاع بدلا من نيلك مني سأنال أنا منك، سأقتلك ولن يعرف مكانك إنسان، سأدفنك بالمقابر هنا ككلب أجرب بلا وداع من أهلك ولا بكاء ولا عزاء.
لا أدري ما الذي يقوله الرجل ومن هذا الفأر الذي انتظر حضوره وسلسله وأراد قتله ، ولماذا يناديه بيونس.. كنت في صمت تام ماذا سيفعل معي هل سيقتلني بعد التخلص منه ويدفنني بالمقابر أنا الاخرى، ارتجفت خوفًا ولعنت نفسي، فأي مصيرًا وضعت فيه، اعتدلت في جلستي وضممت قدمي لصدري وتراجعت بدفع جسدي للخلف حتى استندت على الحائط بصعوبة محاولة فك قيد يدي ولكن دون جدوى، وأتى في ذهني ألف تفسير وتفسير، ربما “المبروك” سفاح يتلذذ بقتل ضحاياه، ام يخطفهم لبيعهم لمن يتجارون في الاعضاء، ولكن كلا لا هذا ولا ذاك انه يعرف الرجل الذي قيده، لربما أراد خطفه ومساومة أهله أم ينتقم منه لأمر ما، كل ما فهمته بأني كنت سببًا في وصول هذا الرجل له .
انتبهت على صوت صرخة عالية للرجل المقيد لأرى “المبروك” وقد ضربه بعصاه الكوبرا فوق رأسه، تساقطت الدماء على وجهه وراح يتأوه من شدة الألم، في حين أمسك “المبروك” بزجاجة ورفعها في وجه الرجل وقال وهو يتلذذ بتعذيبه :
– هل تعرف ما بالزجاجة انه “جاز” سألقيه عليك وأحرقك كما فعلت من قبل لتتفحم هنا مكانك.
صرخ الرجل وقال ما أدهشني :
-لا يا يونس لا تفعلها ولا تنسى صلة الدم بيننا فنحن إخوه .
قاطعه “المبروك” بغضب وصرخ به :
-لا تقل أننا إخوه، فلم أرى منك إلا الشر، قل لي ماذا تريد أن تكون موتتك؟!، عليك ان تختار هل أقتلك بالسكين وأقطع لحمك وألقيه للكلاب بالمقابر، أم أحرق جسدك وأترك النار تلتهمك كما التهمت أشجار النخيل والبيت .
وقبل أن ينطق الرجل، رفع “الكوبرا” وضربه بها ثانية على رأسه ليغيب عن الوعي كمن فقد حياته .
أفزعني ما رأيت وأرتجف جسدي كله ،بكيت بشدة وأنا أحاول كتم أنفاسي.
نظر لي وقال بنبرة هادئة مطمئنة :
– لا تخافي فلن أؤذيكي، فأنتي سبب وصول هذا الشيطان لهنا، أراد قتلي والتخلص مني طول سنوات حياتي.
جذب كرسيه وجلس أمامي وأكمل حديثه :
– ربما انتي هنا لتعرفي حقيقتي التي كانت سببًا لمجيئك لهنا مهما حاولتي الإخفاء فأنا أعلم فضولك الصحفي جيدًا، وسأقص عليكي ما لم أطلع به أحدًا دون إخفاء أي شيء، ولو اردتي النشر لن أمنعك، فقد حان وقت إظاهر كل شيء، حتى لو كلفني الأمر حياتي، فلم أعد أبكي على شيء، والقادم لن يكون أسوأ مما مررت به طوال السنين التي مضت.
شعرت برعب كلماته وصدقها في ذات الوقت ، واطمئننت بأنه لن يؤذيني فمازال يحتاج إلي، هززت رأسي بالإيجاب دون رد.
فك القيد الذي ربط به يدي، طلبت منه أن أشرب فحلقي كاد يتشقق، وحين هم بإحضار الماء قلت له أن بحقيبتي زجاجة المياه فأحضرها لي، شربت كثيرًا حتى ارتويت وأخرجت منديلًا مسحت به أنفي التي سالت من الخوف وجففت دموعي التي سحت على وجهي، وبعد برهة من الوقت بدأ يطلب مني تسجيل كل كلمة سيقولها فتحت هاتفي واعتدلت في جلستي، وبدأت استمع لقصته الحقيقية التي خفاها عني منذ أول لقاء :
-الان سأقص عليكي قصتي ولكي أن تنشريها كما شئتي ولكن ستصبحين في خطر مثلي لو لم يهتم أحد بما ستنشريه.
قلت بهدوء وقد أصبحت أكثر تماسك :
– قل ما عندك يا “عم مبروك” وأعدك بتنفيذ كل كلمة قلتها كما سبق وفعلت معك، فلم ترى مني شيء سيء على الاطلاق.
ترك لي كرسيه الجلدي الوحيد بالغرفة وطلب مني الجلوس عليه ، وجلس هو أمامي على الأرض اسند ظهره للحائط وبدأ يحكي بارتياح قصة حياته وأنا أسجل بهاتفي ما يقوله دون مقاطعة :
لست مبروكًا ولا دجالًا ، ولا عجوزًا كما أبدو، فالعمر الذي يظهره وجهي ليس بعمري الحقيقي ، أنا ” يونس الشواف ” ولدت في كنف عائلة ثرية من عائلات الصعيد ذات المال والجاه والنفوذ، كانت أمي زوجة ثانية لأبي “عمدة البلد” الذي كان لديه من زوجته الأولى ثلاثة ذكور كبار، وكان لي أخت شقيقة وحيدة من أمي ، نعيش في “دوار كبير” مكون من طابقين تحيطه حديقة بها من أنواع الفاكهة والشجر الكثير واسطبل للخيل، الطابق الأول لزوجة أبي شديدة البأس، والطابق الثاني لأمي .
لن أطيل حديثي عن فترة طفولتي التعيسة ، التي بدأت تعاستها بوفاة والداي في حادث أليم أثناء ذهابهما للمستشفى، حيث كانت أمي قد تعرضت لنزيف حاد قبل الولادة وكانت في وضع خطير، فانقبلت بهما سيارة الإسعاف ولم ينجوا أحدًا من الحادث، توفوا في الحال، لأعيش طفولة بائسة وكان عمري ثماني سنوات مع عائلة لا تحبني أنا وشقيقتي التي كانت تكبرني بخمسة أعوام، قررت زوجة أبي أن تخرج أختي من الدراسة لتخدمها في البيت، ولولا أن عمي قرر تزويجها مبكرًا لظلت كما هي خادمة لزوجة أبي وأبنائها، ومن حسن الحظ أن من تزوجها كان رجلا بارًا تقيًا عوضها عن مر الأيام التي رأتها مع زوجة أبي القاسية.
أما أنا فكنت أخدم في الأرض التي يمتلكها أبي، وكنت أدرس في ذات الوقت حتى حصلت على الشهادة الثانوية، وبدأت زوجة أبي تدجر من استكمالي للتعليم ورفضت إلحاقي بالجامعة كإخوتي الذكور، سلطتهم علي، أصرت على أن أتفرغ للفلاحة، كان حلمي أن أدرس بكلية الحقوق لأعمل بالمحاماة في مكتب شهير يمتلكه احد أقاربنا بالمركز، ولكن خضع اخوتي الثلاثة لرأيها، وتفرغت للفلاحة رغم أنهم أكملوا تعليمهم حتى حصلوا على شهادات جامعية ومنهم من توظف ومنهم من عشق السفر وتغرب .
وبالفعل تركت حلمي وتفرغت للأرض وزراعة المحاصيل والاهتمام بأشجار النخيل التي كانت تزيد عن خمسون نخلة، مر عامين وأنا أفلح وأزرع وأحصد، وعند البيع للتجار كان اخوتي هم من يحصلون على الارباح ويعطون لي منها ثمن زهيد لاقتسمه مع شقيقتي، ويحصلون هم على الربح كله بحجه أنهم يدخرونه لي حتى يزوجوني به.
وكنت أرغب في الزواج كأي شاب في عمري، ولم أرى سواها أمامي ، “هند” ابنة “محروس” غفير أبي العمدة ، وبعد وفاته أصبح يفلح في الارض معي، و”هند” ابنته الكبرى تصغرني بثلاثة سنوات ولها حظ من الجمال والدلال، كانت تعود من المدرسة وتأتي بالطعام لأبيها في الأرض، جن عقلي من جمالها، لا أنسى خصلات شعرها التي تعمدت كشفها من طرحتها لتتناثر حول خديها الأبيضين الممتلئين وشفتيها الحمراوين التي راحت تتحرك يمينًا ويسارًا في دلال كلما مضغت العلكة، لمحت لأبيها برغبتي في الزواج.
حتى شاهدتها أمامي يومًا وكانت تضع طعام أبيها على الارض فكشف جلبابها عن ساقيها الملفوفين والخلخال يحيط بهما، تقدمت نحو أبيها وسألته مباشرة دون تردد :
-عم محروس لو تقدمت لابنتك “هند” هل ستوافقك وتزوجني لها؟
رأيت السعادة تعلو وجهه وعدم تصديق الأمر، فكيف سيرفض ابن سيده الذي عمل عنده غفيرًا حتى لو لم يكمل تعليمه ، وقال :
– من عيني يا بني لكن لي شرط واحد موافقة البهوات الكبار.-
أعلنت عن رغبتي في الزواج من “هند” لاخوتي رأيتهم مرحبين، وقال اخي الكبير بأنه خير اختيار فمن سيرضى بي غير ابنة الغفير كانوا يروني أقل منهم لعدم إكمالي تعليمي ولأن أمي كانت من عائلة بسيطة لا ترقى لمستوى عائلة أمهم ذات الحسب والنسب، كنت في نظرهم فلاح مثلي مثل الغفير “محروس”.
تمت الزيجة سريعًا دون فرح ولا ترتيبات ، وكان منزلي فوق سطح “الدوار” الذي أصبح أربعة طوابق مع زواج كل أخ من إخوتي الذكور، وقد تزوج الكبير بمنزل أمي بعد أن جدده، وبني فوقه طابقين لأخي الأوسط ولأصغرهم الذي كان دائم السفر ولم يتزوج فيه، أما أنا فلم يبنى لي طابق مثلهم واكتفوا بفرش بسيط لغرفتين كانت فوق السطح تعد مخزنًا للكراكيب والأشياء المهملة، وبني بجانبهم حمام صغير وافترش باقي السطح بحصير توسطته “طبلية ” وعلى السور وضعت صينية “قلل” بالإضافة لـ “زير” و”فرن” بني من الفخار، فلم يكن لدي ثلاجة أو بوتجاز أو أي شيء من الأدوات الكهربائية سوى عدد قليل من لمبات الانارة، ووافقت دون اعتراض فكنت أحب “هند” وأرى أن أي مكان يجمعني بها “جنة “، ظننت أنها تحبني كما أحببتها خاصة بعد ان رفضت استكمال تعليمها ووافقت على السكن معي في هذا المنزل المتواضع دون اعتراض، ورأيت أنها فعلت ذلك لأجلي .
***
ولكن الايام أثبتت لي أنها لم تحبني وتزوجتني لغرض في نفسها لم أفهمه حينها، كلما حاولت الاقتراب منها تمنعني وتصرخ بوجهي، تحبس نفسها بالغرفة وتطردني، تهددني بأنها ستصرخ وتقول عني مجنون، فأقول أنها مازالت صغيرة والوقت أمامي حتى تعتاد علي.
مر شهر ولم ألمسها كلما حاولت التودد لها زاد رفضها وعندها، بل وراحت توهمني بأني “ملبوس” وأنها ترى وجهي كوجه قرد، وبأني غريب الأطوار، اتهمتني بالجنون، وبدأت تتحدث للمقربين عن أشياء غريبة وأفعال عجيبة تصدر مني، أدخل المنزل بعد عودتي من الأرض لأرى جارتنا تخرج وتنظر لي بغرابة وتخبط كف على كف واسمع همساتها:
– لا حول ولا قوة الا بالله .. جن الشاب يا ولداه .
لأدخل عليها وأرى دماء على الأرض في كل مكان وتصرخ وتلم الجيران والاقارب وتقول لهم انظروا ماذا فعل المجنون؟ لقد قتل قطة وأكلها ؟ يصدقونها ويكذبوني.
ولما زاد الأمر سوءًا طلب أخي الاوسط “خليل” أن أترك المنزل عدة أيام حتى تهدأ وتطمئن، وأشارعلي بأن أظل بالكوخ في الأرض بعيدًا عنها ، ونفذت ما قاله وانتقلت للمبيت بالأرض وكنت معتادًا على ذلك هربًا من قسوة زوجة أبي، والآن أعود للكوخ هربًا من جفاء زوجتي.
وبعد أسبوع قررت أن أعود لمنزلي لأواجهها وأعرف منها سبب ما تتهمني به، ولماذا تقول للناس اني مجنون؟، تسللت فجرًا حتى لا أوقظها وقد قررت أن أعد لها فطارًا شهيًا ليرق قلبها لي ، وضعت ما حملته من خضروات طازجة من الأرض على الطبلية وراديو صغير قررت أن أفتحه على إذاعة الأغاني ونحن نتناول فطارنا .
دخلت للغرفة بحذر شديد، وقد حملت معي زجاجة عطر هدية لها، رغبت أن أوقظها بهدوء وأقدم لها العطر، وحين اقتربت من الغرفة الثانية المغلق بابها شعرت بهمسات وضحكات مكتومة، ظننتها شقيقتها ولكني أسمع صوت رجل، أسرعت وفتحت باب الغرفة لأرى ما لم أتوقعه، “هند” زوجتي نائمة في أحضان “خليل” أخي.
صمت عن الكلام برهة وأشار للرجل المقيد بالسلاسل وقال :
-هذا الكلب المقيد أمامك ، نعم كانت تخوني معه وربما من قبل الزواج، وزواجها مني لمجرد أن تخفي فضيحتها وعارها.
صمت برهة ،وأمسك بحجارة بجانبه وألقى بها “خليل” الذي ظل كما هو ساكنًا ولم يقوى على الحراك او التأوه .
كنت صامتة منصتة لكل كلمة يقولها ، ولا أدري هل صمتي التام لرغبتي في عدم مقاطعته أم لصدمتي مما أسمع منه أم لهول الموقف كله، الهاتف في يدي يسجل ما يقوله الرجل الذي رجع برأسه للخلف، ثم أعتدل وقال بحزن عميق كمن يرى الماضي أمامه :
– أفزعهم رؤيتي أمامهم ، وفزعني ما رأيته منهم ، خرجت أبحث عن شيء أقتلهم به وحين انتبهت لزجاجة العطر التي بيدي، كسرتها على الأرض وأمسكت بالجزء المكسور، ودخلت لقتلهم ، ولكن هذا الخائن قفز من النافذة للسطح واختفى، بينما هي دفعتني بقوة بعد أن أصبت كتفها وتساقطت منها الدماء.
خرجت تصرخ بأعلى صوت لها حتى أيقظت من بالدار، وفي وقت قليل كل من بـ”الدوار” كان على السطح يجتمعون حولها ويصرخون، اتهموني بالجنون، لم يعطوني فرصة لقول أي شيء ، كلهم يصرخون يتبادلون الشتائم والسباب ويقذفون بنعالهم في وجهي، وهذا الخائن رأيته أمامي وقد حضر وهو يمثل دور النائم الذي استيقظ فجأة مفزوعًا على صرخاتهم.
دفعوني على الدرج، هرولت لأسفل وتركتهم يصرخون، جن عقلي فلم يستمعوا لي وظلموني وصدقوا الخائنة، تملكني الغضب ووسوس لي الشيطان بحرقهم جميعًا، توجهت لغرفة أسفل الدرج كانت مخزنًا وضع بها أوعية امتلئت “بالجاز”، كنا نستخدمها كثيرًا في أمور البيت والأرض، وأمسكت بأحدهم ودخلت الدوار ” الطابق الأسفل” وكان فارغًا منهم فالكل فوق مع الملعونة زوجتي، لربما يضمدون جرحها وليته قضي عليها، وينصتون لأكاذيبها، سكبت الجاز في أنحاء البهو الكبير وأشعلت ثقب كبريت لأحرق الدوار بمن فيه.
وهربت بعد أن أخذت معي “وعاء جاز ” أخر وتوجهت به للأرض لأحرق لهم أشجار النخيل، فلن أتركهم يهنئون بشيء ، وظللت أسكب الجاز، أشعل النار وأصرخ وأهدد بحرقهم جميعًا، تجمع المتواجدين من المزارعين حولي وامسكو بي، ومن بينهم محروس الغفير، لماذا أتى مبكرًا هل عرف شيئًا من ابنته؟ لا أعلم، ولكني رأيته غاضبًا، يسكب التراب فوق النار التي كادت تلتهم النخيل فأطفأها، وأنا أصرخ بوجهه ليتوقف، أوثقوني بالحبال وسحبوني كحيوان منبوذ للدوار.
كان الكثير من أهل القرية بداخله يشاركون في إطفاء النيران التي زادات والتهمت أثاثه ومفروشاته بالداخل .
ربطوني بشجرة بالحديقة بناء على تعليمات “خليل” الذي قال بعلو صوته حين رآهم يسحبوني بحبالهم :
– اربطو هذا المجنون جيدًا ولا تفلتوه حتى نسيطر على النيران.
اطفئت النيران وخفت الأرجل عن الدوار بعد أن قام “محروس” بطردهم، ولم يتبقى سوى القليل من أهل القرية والكثير من رجال العائلة، وجاء إخوتي الذكور وانهالوا علي بالضرب، كنت أضحك كمن جن عقله حتى تقطعت أنفاسي من الضرب والضحك، وصدقتهم بأني مجنون حقًا فمن يضحك في مثل هذا الحدث الجلل إلا المجنون ، فأنا مجنون ،، نعم أنا مجنون ،، مجنوووون.
بكى عم مبروك وبكيت معه ، لم أشعر بالوقت الذي مر ، فما رآيته وما سمعته كان أكبر من أي وصف.
جففت دموعي واوقفت التسجيل ،ووجدتني اهدأ الرجل وأمسح بيدي على كتفه ، شعرت لأول مرة بأنه إنسان ذو أصل جار عليه الزمان، ليس بشحاذ مشرد ،ولا بدجال مشعوذ ، بل مظلوم،مكلوم ، بائس ومطارد، أي حياة هذه التي عاشها هذا المسكين.
أخرجت زجاجة عصير من حقيبتي وفطاري الذي كنت وضعته بها ، وحاولت أن أعطيه له، ابعد الساندوتشات وأمسك بزجاجة العصير وتناولها دفعة واحدة ، ابتسم لي وقال:
– لو كان لي إبنة لكانت في عمرك الآن يا ..
ونسى اسمي ، فذكرته في الحال:
– ملك .. ملك يا عم مبروك ، اقصد يا عم يونس.
ضحكنا وقال :
– قولي ما تشائين ، ولو أردتي التوقف عن التسجيل والرحيل لكي ما تريدي .
قاطعته رافضة ما يقول :
– لا يا عم يونس أريد سماع قصتك لنهايتها لا لشيء سوى أني حقا أريد مساعدتك.
رد بحزن عميق وتنهيدة طويلة :
– المساعد هو الله يا ابنتي
شعرت بأن علاقتي بالرجل تعدت كونها علاقة صحفية بمصدر أو مجرد فضول لسماع قصة مثيرة أحقق بها سبقًا صحفيًا، كنت أرغب في مساعدته بأي وسيلة، ولهذا لم التفت للوقت ، وحين نظرت لهاتفي كان بدون شبكة، فالقبو بلا حياة، وحمدت ربي بأن البطارية مازالت ممتلئة ، أكملت مع الرجل حديثه وطلبت منه ان يبدأ حيث انتهى ، وبدأت أسجل ما يقوله وعدت لصمتي انصت دون مقاطعة ، واستمر في حديثه:
بدأ المتواجدون من العائلة يتشاورون حول مصيري ويخططون ويدبرون أسلم الطرق للتخلص مني، قال أحدهم نسلمه للشرطة لتلقي بي في السجن، وقاطعه آخر بأن السجن فضيحة للعائلة المقبلة على الانتخابات البرلمانية واقترح أن أسجن في الدوار بغرفة حديدية تصنع خصيصًا لي في اسطبل الخيل الملحق بالدوار، رفض ثالث واقترح أن أطرد من القرية بل الصعيد كله ولا أدخله ثانية بعد أن أكتب تنازلا عن أملاكي لاخوتي، واقترح رابعهم وكان خليل الحقير أن أسلم لـ “مستشفى المجاذيب” لكوني مجنون، أعجب الجميع بالفكرة الجهنمية التي اقترحها هذا الحقير، فمنها الخلاص مني ومنها تملكهم لثروتي بفعل القانون لأني مجنون بلا عقل.
وبدأوا تنفيذ فكرتهم الشيطانية بعد ان شعروا براحة كبيرة لما وصلوا إليه من قرار ، رأيت الكره في أعين إخوتي، أما ” هند ” الخائنة وقفت شامتة متشفية، وإن بدت حزينة دامعة العينين لتكسب عطف أهل القرية، انتصرت الخائنة ووصلت لما أرادات وغسلت عارها مع مغفل مثلي.
وفي اليوم التالي اخذوني على مستشفى المجاذيب بعد أن أحضروا طبيبًا من المركز، رشوه وكتب تقريره بأني مجنون فاقد العقل ومن الخطورة تركي هكذا بين الناس، جرجروني بثوب المجانين الأبيض ودفعوني بسيارة الاسعاف الخاصة بمستشفى المجاذيب ، خرجت السيارة من الدوار وتبعها الأطفال والكبار يهللون ويصرخون:
” ارحل يا مجنووون .. ارحل يا يونس يا مجنووون ..،،
يونس المجنون ،، يونس المجنووون “،،.
الكل يضحك والسعادة تعلو وجوههم وكأنهم يزفون “عريس ليلة فرحه ” ما عدا شقيقتي التي أتت من قريتها المجاورة حين علمت ما حدث لي، رأيتها من شباك السيارة الزجاجي وقد ارتدت السواد وكسى وجهها الحزن والقهرة ، جلست على الأرض وأمسكت بالتراب، وضعته فوق رأسها وراحت تلطم خديها وتبكي في انهيار ولا أحد يلتفت لها، سوى مجموعة من الأطفال التفوا حولها في شكل دائري وراحوا يغنون :
– أخت يونس المجنوون .. أخت يونس المجنوووون.
تعرضت في مستشفى “العباسية” للكشف والفحص، وخرج التقرير بعد أيام ليعلن بأني سليم وبكامل قوايا العقلية ، كان “خليل” ذاك الشيطان مكلف بمتابعة أخباري وإبلاغ اخوتي بما جاء في التقرير، وخرجت معه لأني كما قال مدير المستشفى والاطباء لست في حاجة لحجزي بها، ونصحوه بأن أحول لطبيب نفسي يتابع حالتي فالأمر ليس خطير.
خرجت مع “خليل” والغفير “محروس” امشي بينهم وكلا منهم يمسك بيدي حتى لا أفلت منهم، وحين تقدمنا نحو السيارة وترك خليل يدي ليقود وفتح محروس الباب ، دفعته بقوة فوقع على الأرض وهربت منهم في زحام العباسية، ولم يلحقوا بي.
مر أكثر من عام منذ خروجي من قريتي، عشتها في الشارع تارة أغسل السيارات ، وتارة أبيع مناديل، حتى عملت “صبي قهوجي” بمقهى بالعباسية، ولكن لم يهدأ لي بال ، فلماذا أنا أعيش غريبًا ولي حق عند إخوتي ، مال وأرض وبيت ،أملاكي من أبي .
قررت أن أعود لأطالب بحقي ولكن شقيقتي التي كنت على اتصال بها وكانت ترسل لي مساعدات مالية من خلال زوجها، حذرتني بأنهم لن يتركوني وهددوها بقتلي لو عدت ، نصحتني أن أظل بعيدًا.
لم أخذ بنصيحتها، وتسللت ليلا للدوار ، اختبئت بداخل عباءة سوداء وطاقية مثقوبة العينين اخفت وجهي كله، كنت أبحث عن أوراق تثبت هويتي ومستندات وأموال تعينني على توكيل محام لأثبت حقي في أملاك أبي .
لم يكن بالدوار غير “زوجة أبي” التي شعرت بي، دخلت المكتب وأضاءت النور لتراني أمامها مُلثمًا، نظرت لي ونظرت لها، تسمر كلانا في مكانه، وكأن الزمن قد تجمد عند تلك اللحظة. حين نظرت لعينيها الجاحظتان تذكرت قسوتها علي وعلى أختي بل وعلى أمي التي تركتنا صغار في ايدي تلك المرأة قاسية القلب، تذكرت حين حبستني في غرفة البدروم مع الفئران حين أصريت على ذهابي للمدرسة ولم أطعها وأذهب لأحضر لها طلباتها التي لا تنتهي من سوق الخضار، تذكرت حين خرجت بملابسي المبتلة في الشتاء للمدرسة لأنها سكبت علي ماء الزير لأني لم أغسله كما طلبت وحين شربت لم يعجبها طعم الماء، تذكرت قسوتها على أختي وإهانتها لها ونعتها بالخنفساء لسمار وجهها، ومعايرتها بأنها لن تتزوج ولن ينظر لوجهها القبيح أحد كما كانت تردد دائمًا، وغيرها من المواقف لو ظللت أذكرها لما انتهينا.
أما هي فحملقت في بشدة ولم يساعدها جسدها الممتليء على الفرار، تسمرت بمكانها وكادت تصرخ من الهلع، هرولت نحوها، كتمت أنفاسها وأوقعتها على الأرض كي لا توفظ أهل الدار، شدت الطاقية من على وجهي فارتعبت حين رأتني وقطعت النفس.
تركتها ملقاه على الأرض لا أعلم هل فارقت الحياة أم مازالت حية؟؟ ، تمنيت لو لم تمت ، لم أرغب بقتلها رغم كرهي لها، ولكني لم أكن أبدًا بقاتل ، بأفعالهم جردوني من إنسانيتي حولوني لشخص آخر لا أعرفه وأخافه .
جريت خارج الدوار، نزلت على الدرج لأرى “خليل” يركن سيارته أمام الدوار وكان في حالة سُكر كالمعتاد منه، هرول نحوي وهو يترنح وبيده عكاز أبي الآبنوسي ذو رأس الأفعى النحاسي وكان دائمًا يحمله معه بغرض التباهي، رفعه في وجهي فأمسكت به، وخبطه على رأسه بشده فوقع على الأرض، ألقيت فوقه عباءتي وهربت قبل ان يستيقظ أحد ويلحقوا بي .
وصلت لقرية شقيقتي وأخبرتها وزوجها بما حدث، نصحوني بالهروب من الصعيد قبل أن يلحقوا بي ويسجنونني، أوصلني زوجها لمحطة القطار قبل طلوع الفجر وأعطوني مال وطعام، اخفيت وجهي عن الناس حتى وصلت للقاهرة، وعشت مطاردًا بها بعد أن علمت من شقيقتي أنهم لن يهدأ لهم بال حتى يقتلوني، بعد أن قتلت أمهم، علمت من شقيقتي أنهم بلغوا عني وأني مطلوب للمحاكمة وصدر حكم غيابي بإعدامي، بكت حزنًا علي ودعت بالانتقام منهم واستحلفتني بالله ألا أعود.
تركت القهوة التي كنت أعمل بها بعد ان انتشرت صوري في كل مكان بميدان العباسية ومكافأة لم يعثر علي، واختفيت متنكرًا بين الناس، أبيع سبح ومناديل أمام مسجد الحسين، كنت أنصت للإمام وأحفظ ما يتلوه من آيات القرآن الكريم، وأردده حتى أصبحت أتلو القرآن بصوت يجذب من يسمعه، عُـرفت بالمبروك، بعت السبح والبخور والمصاحف وكتب فك السحر والحسد وتعلمت الرؤية الشرعية والحجامة، ومارستهما واكتسبت منهما، أصبحت خادمًا بالمسجد مختفيًا وراء الشعر الذي كسى وجهي.
عشت مطاردًا خائفًا، اختبيء عن أعين رجال الشرطة، كانوا يأتون كثيرًا للمسجد ،يسألون عن كل شخص به وينظرون في البطاقات، فتركت المسجد وعدت للشارع، أتوجس خيفة كلما رأيت رجلًا صعيديًا يتحدث بلهجة بلدتي أشعر وكأنه يراقبني ليخبر “خليل” عن مكاني، حتى اعتدت الامر والاختباء أصبح جزء من حياتي بل كل حياتي.
وبين الحين والحين كنت على اتصال بشقيقتي وزوجها، فرحت حين علمت بإنجابها لتوأم أطلقت على أحدهما يونس، علمت أن الملعونة زوجتي طُلقت غيابيًا بعد أن رفعت قضية في المحكمة، وأن أخي الأكبر توفى أثر جلطة بالمخ بعد سقوطه في الانتخابات البرلمانية، وترك أطفاله الثلاثة أيتام يراعهم “خليل”، وكنت أعلم كيف يرعاهم هذا الندل الجبان الخسيس، بسرقة أموالهم وأرضهم كما فعل معي أنا وشقيقتي، وأخي الثالث وهو شقيقهم الأصغر كان دائم السفر منذ تخرجه من الجامعة، كره الصعيد كله ،هاجر للخارج وتزوج بامرأة اجنبية ، بعد أن باع كل أملاكه بثمن بخس لـ”خليل” الذي أوهمه بأن الأرض تخسر والحال يسوء.
أما “خليل” علمت أنه تزوج على زوجته وهي ابنة عمنا لإنجابها للبنات، وأنجب من الثانية بنات أيضًا فلم يهبه الله ذكورًا، كان دائم الجشع والطمع يريد كل شيء المال والجاه والأولاد، سرق مالي ومال أختي وأموال الايتام ،ولم ينغص على حياته شيء غير عدم انجابه للذكور وسيرتي التي كانت تعكر صفو يومه، وكلما رأى شقيقتي حين تطالبه بحقها يلقى لها الفتات، ويخبرها أنه يعلم بأني على اتصال بها، وأنه لن يهدأ له بال حتى يقتلني لتخبرني بما يقول، ولخوفها علي كانت تتعمد عدم السؤال لشهور حتى يجمعنا الشوق والحنين ثانية لتعود وتتصل ثم تختفي وهكذا حتى مر على هروبي من القرية ما قارب على الثلاثين عامًا، إلى أن آلى بي الحال هنا في هذا القبو بعيدًا عن كل البشر.
تنهد ” عم يونس ” وتابع :
إلى أن التقيت بك وحين حدثتيني عن رغبتك في أن تجعلي مني بطلاً، رأيت أن الاختفاء أصبح بلا جدوى وفكرت في الظهور وبدلًا من أن يصطادني هذا الحقير، اصطاده أنا وقد كان ما حسبت ، تتبعني بعد أن رأى صوري المنتشرة على الانترنت وتركته يسير خلفي ليعرف مكاني كما فعلتي أنتي وجذبته لهذا القبو ليواجه مصيره المشؤوم.
***
فرغ “المبروك” أو “يونس ” من قصته ، نظرت للساعة فإذا بالمغرب قد أقبل على الآذان ، فاق “خليل” وربما كان يستمع لما سمعت له ، وراح يتوسل لـ”يونس” أن يتركه ويعطيه من ماله ويعوضه عن كل شيء، كان على أن أرحل فالوقت أصبح متأخرًا، عرض “عم يونس” على أن يوصلني للأتوبيس وافقت على الفور فالمكان مرعب والظلام قد حل، خرجت وتركنا الرجل لصراخه وتوسلاته في القبو، ساعدني عم “يونس” في الخروج، كنت أشعر بالاطمئنان وأنا أسير بجانبه، ووعدته بأني سأساعده مهما كانت الخطورة ومهما كلفني الأمر، وترجيته بألا يقتل الرجل أو يؤذيه، طمأنته بأن عقوبة الأعدام سقطت عنه بعد مرور أكثر من 25 عامًا على قتله لزوجة ابيه .
اتفقت معه أن اصطحبه صباح الغد لأحد المشاهير من الإعلاميين وكان قد وعدني بأن يستضيفني في حلقة خاصة على الهواء مباشرة حين أعثر على “المبروك” ، والآن أنا ليس فقط معي “عم مبروك” بل وأيضا “عم يونس” ضحكنا ، وشعرت أن الرجل زال عنه هم كبير حينما أفرغ كل ما في جعبته وما أثقلته السنين، كان يوافقني في كل ما أقوله، يهز برأسه ويدب بعصاه على الأرض وينظر للسماء ويقول:
يا حي يا قوي يا مغيث
يا مفرج كروب المكاريب …
ضاقت علي المهاليب والمشكى لغيرك مذلة
حتى وصلنا للطريق وافترقنا .
***
عدت لمنزلي متأخرًا لم أسمع صرخات أمي بي حين رأتني وكانت قلقة علي حاولت الاتصال الهاتف “خارج الخدمة”، كانت ملابسي متسخة وعلقت بها الاتربة، وعلى الفور قولت لها بأني كنت في اكتشاف أثري هام أقوم بتغطيته مع زملائي الصحفيين والمكان في صحراء وخارج نطاق الشبكة اقتنعت بما قلته، وكانت قد اطمئنت لعودتي وهدأت ودعت لي بالتوفيق.
نمت ليلتي وأنا أرى عم يونس في منامي، عزمت الامر على أن استيقظ مبكرًا واصطحب الرجل كما وعدته للإعلامي الشهير، كنت قد قررت أن أجعل منه قضية يتحدث عنها كل الناس، أنشرها على مواقع التواصل لتصبح ” قضية عم يونس ترند” يتردد على كل الألسنة حتى يعود الحق له ليرجع لقريته وشقيقته وبيته وأملاكه وحياته التي سُلبت منه، شعرت بأن الله وضعني في طريقة لمساعدته.
استيقظت على منبه الهاتف، كان يوم الجمعة أجازة من عملي حمدت ربي على أنه اتاح لي فرصة يوم أخر مع عم “يونس”، خرجت، وركبت نفس الاتوبيس الذي دلني على مكان “عم يونس”، وفي طريقي فتحت هاتفي اتصفح الاخبار كعادتي ، وإذا بمانشيت صادم بأحد المواقع الصحفية لم أميز حروفه في باديء الأمر ، قرأته أكثر من مرة :
(( حريق هائل بمقابر اليهود )) ، والتفاصيل ليست موضحة اي شيء، وسألت نفسي هل المكان الذي كنت فيه مع “عم يونس” هو “مقابر اليهود” المقصود في العنوان؟؟ ، صرت أقلب في المواقع الاخبارية حتى صدمني عنوان آخر أكثر وضوحًا وبالصور:
(( بيت مهجور تسبب في حريق هائل بمقابر اليهود ))
“عم يونس”، صرخت وكتمت صرختي، وضعت يدي على فمي حتى لا ألفت انتباه احد لي، نزلت نفس المحطة ، وسرت أمد في خطواتي حتى وصلت للمقابر التي تبعد عن الطريق الرئيسي بعشرة دقائق تقريبًا، لأرى سيارة الاسعاف والشرطة بالمكان وكانت المطافي قد سيطرت على الحريق، يبدو أن ما حدث كان ليلًا فكل شيء انتهى وتم السيطرة على الحريق.
تقربت من الموجودين وتمالكت نفسي، تحدثت للضابط وعرفته بأني صحفية أقوم بتغطية الحادث، أخبرني أن الأمر مازال تحت التحقيق ولا أحد يعرف سبب الحريق .
صرت أبحث عن عم يونس ، يبدو أنه حرق القبو بخليل وهرب ، ولكن لأين هرب !! ، وفجأة رأيت أمامي سيارة الإسعاف وقد فتحت من الخلف وصعد رجلين يحملان عربة نقالة، صوعقت حين شاهدت عليها جثتين متفحمتين !!،..
ووقفت مزهولة أمام المشهد المخيف، الآن اتضح الأمر لي … ” عم يونس وخليل” ،،
***
مر شهر على الحادث ،،،
ولا أحد يعلم ماذا حدث بداخل القبو ، من هؤلاء ،كيف تفحموا، الطب الشرعي لم يتعرف على هوية الرجلين، وخرج تقرير الشرطة مقتضب ليصرح للإعلام بأن اثنين من الشحاذين اختلفوا على الاموال واقتتلوا بداخل القبو، وأحدهم حرقه، فألتهمته النار وحرقت المكان بمن فيه، وأغلقت القضية.
ورغم علمي بالحقيقة ومن هذان الرجلان، ولكني حتى الان لا أعلم ماذا حدث بعد أن تركني “عم يونس” وعاد للقبو، هل أحرقه واشتعلت النيران به وبشقيقه قبل هروبه، أم فك قيد شقيقه كما توسلت له أن يتركه وتقاتلا سويًا واحترقا القبو بهما، لا أعلم أي شيء، ولم أصرح لأحد بما حدث، وظل سر “عم يونس” دفين معه ومعي.
إلى أن قررت في يوم أن أذهب لمقابر اليهود حيث البيت المهجور ولا أعلم لماذا قررت ذلك، وهناك رأيت البيت وقد زال تمامًا، اختفت أثاره، تساوى بالتراب وكأنه لم يكن، سرت فوقه أنبش بقدمي وأنا أتذكر ما جرى في القبو منذ شهر، حتى عثرت على شيء معدني تحت قدمي، التقطه، فوجئت بأنها ” رأس الكوبرا” النحاسية، دمعت عيني ولكني سررت وشعرت بالارتياح ربما كانت هدية تركها لي “عم يونس” لأتذكره وأدعو له .
قرأت له الفاتحة واخذت “الكوبرا” معي فكانت الشيء الوحيد الذي تبقى لي منه.
**
كلما مررت بوسط البلد نظرت على الجزيرة التي كان يجلس عليها ابتسم وامسك بالكوبرا التي وضعتها بحقيبتي وأدعو له .
دخلت لشارع الألفي صباح يوم مشمس وتناولت فطاري كما اعتدت في مطعم ” آخر ساعة” ، وأمسكت بقلمي وبدأت أسطر ما حكاه لي ” المبروك” أقصد ” عم يونس ” ، فحقه علي أن أنشر ما قصه علي دون حذف شيء منه ” انشري كما تريدي، فالآتي ليس بأسوأ مما مر ” هكذا قال وهكذا أوصاني .
انهمكت في الكتابة حتى فوقت على صوت ضعيف لعجوز مشردة :
– أعطيني مما أعطاكي الله يا ابنتي.
اعطيتها من فطاري وبعض الاوراق النقدية، دعت لي وتركتني وسارت من أمامي ، كانت تسند بيديها اليمنى الموشومة على كتف طفلة صغيرة حملت معها حقيبة تضع فيها ما يجود بها عليها المارة، تعلقت عيني بها حتى دخلت لشارع جانبي واختفت.
ترى قد تكون تلك المشردة صاحبة عز ومال وجاه، وجارعليها الزمان
فخطفت تلك الطفلة المسكينة وراحت تتسول بها في الطرقات
وربما طفلة تائهة من أهلها وجمعها القدر بالعجوز المشردة
ما بي كلما رأيت مشردًا صنعت له ألف حكاية وحكاية .. نعم تلك هي الحقيقة فكل مشرد وراءه سر كـ” سر يونس “
وما حكاية هذا الوشم غريب الشكل ،،
الوشم ؟؟ !!
كيف لم انتبه له وهو على هيئة أفعى “الكوبرا” التي حملتها معي من عكاز عم يونس !!!
، ” الكوبرا” أهي صدفة أم ماذا ؟؟!!!
، ولأن الآتي لن يكن أسوأ مما مررت به ،،، هممت بوضع أشيائي وأوراقي بحقيبتي ،،،
وسرت أهرول خلف العجوز ،،
((تمت))

شاهد أيضاً

حقق مبيعات قياسية.. ربع مليون زائر لمعرض القاهرة الدولى للكتاب فى ثانى أيامه

عدد المشاهدات = 3193 إقبال جماهيري كبير شهده معرض القاهرة الدولي للكتاب في ثاني أيام …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: