بقلم الأستاذ الدكتور/ عوض الغبارى
أصدرت الأديبة القاصة “غادة مأمون” مجموعتها القصصية الجديدة بعنوان: “دوار غالية” وهى ترنيمة حب للأم التى ألهمتها قصصها، كما طبعت فى شخصيتها قيم الحب والوفاء والعطاء والنبل وأصالة المجتمع المصرى.
وهذه المجموعة ثمانى عشرة قصة معبرة عن شخصية مؤلفتها فى بساطة وسلاسة وغوص فى المشاعر الإنسانية الرقيقة الرومانسية.
لم تختف تلك النزعة الرومانسية المثالية رغم أزمات الواقع، وقسوة الحياة، وغدر الصديق والزوج والحبيب.
وتسرى هذه الروح الأدبية فيما صدر لغادة مأمون من أعمال أدبية مثل رواية: “عندما يتحدث الصمت” والمجموعة القصصية : “حكاية العمر”، فضلا عن رواية ومجموعة قصصية قيد النشر.
وغادة مأمون مهتمة بالرسالة الهادفة للأدب، وتعبر عن القضايا الخاصة بالمرأة، وموقف المجتمع منها، متمثلا فى حنان الأب والأم من ناحية، وقسوة الزوج أو الرجل من ناحية أخرى.
وهذه المفارقة لا تجعل الرجل سيئا على الدوام ففى المجموعة نماذج لرجال أخيار، وكذلك المرأة ليست ملاكا على طول الخط، ولكن منها المظلومة ومنها الظالمة.
والصراع بين المثالية والواقعية لا تنتهى بالخذلان الذى يسم القصص، ولكن ينطلق منه إلى المواجهة التى تبعث على التمسك بأهداب الإرادة في إنجاح ما يمكن من جوانب الحياة، لذلك تصلح قصصها مادة لأعمال درامية.

وغادة مأمون مجتهدة في معايشة المنتديات الأدبية، والتمثل بإيجابياتها، والإفادة من خبراتها ومعاينتها للوجوه المضيئة من زوايا الأدب والفن والفكر والثقافة.
وأسلوب غادة مأمون جميل شاعرى في إهداء قصصها للأم والأب روحا للحياة، وغذاء للروح، وقبلة للضمير الإنسانى في نقائه الوجدانى.
وعنوان المجموعة “دوار غالية” إشارة مهمة لشخصية الأم “غالية”، وكانت تعقد مجلسا لمساعدة النساء، وإكرامهن، وحل مشاكلهن.
تقول الكاتبة عن الأم: “كانت اليد الحانية التى تكفكف دموعى، والحضن الدافئ الذى يحتوينى، كانت شعاع النور وسط ظلام الأيام”.
أما الأب فتقول عنه: “إلى من غاب عنى لكنه يسكن روحى، وكان لى الدنيا”.
وتتميز القصص برؤية ثاقبة لشخصياتها، ممثلة في شخصية الأم “غالية” التى تُعرض عليها مشكلات الأسرة مثل عدم قدرة الزوج على الوفاء بمتطلبات أسرته، ومساعدة الأم لها وحل مأساة فتاة حملت سفاحا، باشتراك الأم غالية مع الأب، واستدعاء المؤلفة ذكريات الطفولة مع الأب والأم، وصور عطائهما للمحتاج، وكأننا نعيش في قلب المجتمع المصرى الأصيل.
وتتميز القصص بمقدمة قصيرة تشكل مع العنوان عتبة لها.
مثل قصة “اللقاء البارد”، تقدمها المؤلفة بقولها: “على مقعدى من النافذة، المطلة على السماء أتأمل دائما مشهد غروب الشمس، اليوم كان ملبدا بالغيوم، والمطر غسل الشوارع”. وهذه المقدمة متناغمة مع حزن الطفلة في القصة لبرود مشاعر الأب تجاهها، وتجاهل أمها التى ولدتها أنثى، والزواج من غيرها.
لكن هذه الطفلة نجحت واشتهرت بالعلم والعمل، ولم يكن ذنبها أو ذنب أمها أنها أنثى لكى تواجه هذا القهر والخذلان.
ويتجلى هذا الخذلان في قصة “الصديق الوحيد” وكان كلبا في الطريق أنقذها من لص شرير. أما “الإسكندرية” وذكريات الطفولة بها فموضوع قصة “قطعة سكر”، وتذكر المؤلفة حنان الأب عند زيارتها، و”احتضان نسمات البحر” وحديث الأمنيات والطفولة والصبا. أما “قطعة السكر” فكان الوصف الذى كان الأب يدللها به.
والحنين إلى ذكريات الطفولة مع الأب والأم يزداد في القصص بعد انقضاء سنوات عديدة على وفاتهما، وقد كان هذا الحنين سندا للفتاة في مواجهة قسوة الحياة. وكانت الدروب التى تطرقت إليها الساردة مع الأب، والذكريات التى عاشتها مع الأم مصدرا ثريا للسرد المؤثر في النفس. وفى خضم الفرحة بتخرج الابن من الجامعة، وفى قصة ” صدفة ‘ تصوير لحفل الجامعة بذلك تُصدم الساردة بعنف طالبة تلوم الأب لأنه لم يحضر لها باقة ورد كزميلاتها، وتقوم الساردة بشراء الورد نيابة عنه . وتأتى قصة “الذكرى الأولى” مختلفة في بنائها عن غيرها، إذ تسرد مونولوج محب عاشق ذهب ليلقى محبوبته في المكان الذى التقيا فيه أول مرة، فإذا به يجدها مع شخص آخر.

وعلى ذلك فالقصص متنوعة في الشكل والموضوع، وفى الشخصيات والأحداث.
ويدل عنوان قصة “العصفور الحبيس” عن المعاملة القاسية للطفلة الوديعة، ثم الشابة الجميلة من قِبَل أخيها.
وقد خدعت في زوج كان قاسيا كأخيها، خائنا لها رغم رضاها بفظاظته. ومنحنيات السرد دالة على خصب خيال المؤلفة، ومعالجة كل قضية بما يناسبها من أسلوب ومشاعر. وتعبر قصة “تَمَنِّى” عن مأساة الختان التى أدت بوفاة طفلة بريئة جميلة، عبَّر اسمها في القصة عن وأد الأمنيات التى حملها اسم هذه الطفلة وهو “عنوان القصة”.
أما مشاعر الأم الملهوفة على أمان طفلتها فتتجلى في قصة “انتظار طويل” حيث تأخر السائق في العودة بها من المدرسة، وما انتاب الأم من قلق عليها، حتى عادت بها من المدرسة بسلام. ومع ما ينتاب القصص من حزن وصدمة في تجارب الحب والزواج تأتى قصة “رفيق الروح” ممثلة مشاعر رائعة بين الزوج والزوجة، تعبر عنها المؤلفة بقولها: “نظراته كانت تطمئن قلبى، وتعطينى إحساسا بالأمان”.
وقصة “كراسة تعبير” جميلة عبَّر فيها طفل عن حبه لزوجة أبيه، فأنقذها من اتهام أمه لها بقتله، وهى القاتلة له، لأن ابنها لم يحبها لقسوتها، وفشلها في العودة إلى الزوج الذى رفضها بعد زواجها من غيره طمعا في المال من رجل مختلس خدعها. و”زفاف المرحومة” قصة معبرة عن حيرة الساردة من العالم الغامض الذى تتأمله في حنين إلى الماضى.
كانت تعيش في صحراء كبيرة تاه فيها العمر دون هدف أو حصاد مثمر من زواج فاشل مع زوج لا يقيم وزنا للمشاعر الإنسانية، استعاضت عنه بحنان قطة قامت بتربيتها. و”بريق الغدر” عنوان لافت لقصة حب رومانسية انتهت بزواج من شخص استغل مالها، وتزوج عليها بعد ضربها وإهانتها. لم تستسلم بطلة القصة لهذا المصير المظلم، وحققت نجاحا في عملها، وقد قُبض على زوجها في قضية اختلاس.
وقصة “زهرة ” استحضار لذكريات الحياة التى نراها في علاقات الناس البسطاء في المجتمع المصرى، وما يتجلى فيها من صدق وأصالة. تعبر الساردة عن ذلك بقولها : “تذكرت الشوارع والجيران حتى الأشجار والطيور والزهور، كل شئ كان يتنفس جمالا ، وله طعم ورائحة”. ومع ذكريات الطفولة الجميلة تأتى قصة “الفستان الأخضر” الذى أرادته طفلة ليوم العيد محققا للبهجة والسعادة.
ولا تخلو القصص من الفكاهة في قصة “المرتبة القطن”. وقد تناولت حكاية عجوز تستعد للزواج مطالبة بكل تكاليف الزوج كما لو كانت فتاة صغيرة.
وكذلك كان الموقف مضحكا مبكيا في قصة “زائر منتصف الليل”. أما ختام المجموعة فقصة “بائع السعادة” حيث كان بائع الجيلاتى الذى كانت الساردة تحبه.
وقصص المجموعة تجتمع متتالية في بساطة وسهولة وصدق مشاعر وبحث عن الفرح بالحياة مهما كانت الشدائد ، مما يضفى عليها طابعا إنسانيا، ورونقا جميلا نهنئ المبدعة “غادة مأمون” عليه.
حياتي اليوم صحيفة إلكترونية يومية