الإثنين , 1 مارس 2021
الرئيسية / بقلمي / نجلاء محفوظ تكتب: كورونا والتباعد النفسي!

نجلاء محفوظ تكتب: كورونا والتباعد النفسي!

= 1974

في الوقت الذي يجب فيه التباعد الاجتماعي للوقاية من كورونا وللحد من انتشارها، ولا يلتزم البعض به، حدث ما كنا نخشاه، فقد تسببت كورونا في التباعد النفسي؛ حتى بين أفراد الأسرة الواحدة بمعظم البيوت، بالإضافة إلى التباعد النفسي بين الأصدقاء والأقارب وزملاء العمل، ليس فقط لتناقص فرص اللقاءات “المباشرة” بين الناس بسبب كورونا ، وتناقص حفلات الزفاف وتراجع المناسبات الاجتماعية بما فيها العزاء واقتصار ذلك على المكالمات الهاتفية.

فالأسوأ والذي يضاعف من التباعد النفسي، الاكتفاء بكتابة كلمات المجاملات التي يكررها الجميع وكأنهم يرددون المحفوظات مما يزيد من الجفاف العاطفي بين البشر ويحول بعضهم إلى أجهزة تكرر نفس التصرفات والكلمات والمواقف بلا أي مشاعر؛ مما يفقدها قيمتها وتصبح كالورود البلاستيك خالية من الحياة مهما كان شكلها جميلًا.

وتلعب الضغوط النفسية والخوف المتزايد من الإصابة ب كورونا بعد عودتها بشراسة بالعالم كله، دورًا لا يمكن إنكاره بتزايد “الرغبة” بوضع مسافات نفسية تبعدنا عن امتصاص الطاقات السلبية لإدمان البعض للحديث على مضاعفات الإصابة بفيروس كورونا .
“وتلذذ” آخرون بوصف تفاصيل مؤلمة للغاية؛ وكأنهم يحكون عن مسلسل أو تفاصيل مباراة وليس عن معاناة بشر وهم كالأدخنة نحذر من التعرض لهم دون تباعد نفسي، وهذا هو التباعد النفسي الوحيد المطلوب بشدة بزمن كورونا ، فلنصنعه ليس فقط بيننا وبين مدمني الحديث عن التفاصيل الموجعة بالهاتف وعبر اللقاءات الاجتماعية ومن خلال رسائل التواصل الاجتماعي، وأيضًا مع وسائل الإعلام التي تهون من فيروس كورونا وتتعامل معه باستخفاف أو كأنه أوشك على الانتهاء، وكذلك مع التي تبالغ بالتهويل منه لجذب أكبر عدد من المشاهدين كبعض الصفحات على مواقع الإنترنت.

ويسهم الخوف من التواجد مع الآخرين في زيادة مساحات التباعد النفسي ولا ينتبه الكثيرون للفارق الهائل بين التباعد الاجتماعي والتباعد النفسي؛ فالأول يجب لمنع أو لتقليل فرص الإصابة بفيروس كورونا ، والثاني مرفوض؛ لأنه يزيد التفكير السلبي والانكفاء على النفس وما يتبعه من الانغلاق على الذات والمبالغة في التركيز على كل ما ينقصنا والاستغراق بالتعلم منه..

ولا توجد حياة في الكون كاملة؛ لا في زمن كورونا ولا قبلها ولا بعدها، ومن يتناسى ذلك يخون نفسه ويحرمها من الفرح بما لديه في اللحظة الحالية؛ ولو لأنه مازال على قيد الحياة ويتمتع بالصحة الجسدية، ولكي يحافظ عليها يجب بعد الاستعانة بالرحمن بالطبع، أن يراقب مناعته النفسية ولكي يفوز بها لابد من تجنب التفكير السلبي ومن توسيع حياته واهتماماته وأن “يتمتع” بعلاقات جيدة ترضيه وتشبعه نفسيًا ولو مع أسرته وبعض معارفه، وأن تكون علاقات حقيقية بعيدًا عن المجاملات والجمل التي تشبه رسائل التليغراف قديمًا؛ من حيث قلة عدد الكلمات وتكرار جمل معينة في المناسبات، وعدم وجود كلمات تعبر عن مشاعر “جميلة” خاصة للإنسان من الذين يشاركونه بالحياة.

وهذا لا يتعارض بالطبع مع قدر معقول ومطلوب جدًا من العزلة “الذكية” التي ينفرد فيها الإنسان بنفسه مستفيدًا من كورونا واضطراره للمكوث بالبيت لفترة أطول مما اعتاده، فيعيد التفكير في حياته وهل تسير كما يرغب أو “تقترب” مما يريده ويحلم به أم أنها اتخذت مسارًا آخر يبعد كثيرًا عما رغب به ويستحقه، وهذه الوقفة لابد من فعلها من وقت لآخر، ليس للتحسر على النفس أو اجترار المرارة أو جلد الذات على الأخطاء، فكلنا نخطئ ولا أحد حياته تسير كما يرغب، والذكي هو الذي يفتش “بصدق” عن دوره في تعطيل حياته ويعيد إمساك دفتها.

كما أن من مزايا العزلة الذكية استعادة الحيوية التي نفقدها التي “سمحنا” لتفاصيل الحياة اليومية بسرقتها منها وحرمنا أنفسنا من هواياتنا؛ كأنها من الرفاهيات وبينما تشكل ضرورة نفسية “للاغتسال” من تكرار ما نفعله يوميًا ومن إيقاف اللهاث الذي يستنزف قوانا، بينما الهواية بمثابة متنفس نحتاجه جميعًا وطوال العمر وليس بالطفولة والصبا فقط، وتمنح ممارسة الهوايات بانتظام وبهدوء الشعور اللطيف بالرضا، وتخفف من الضغوط النفسية التي يتعرض لها الجميع عامة وتزيد مع كورونا .

ومن أسباب التباعد النفسي الأسري ميل البعض إلى التخلص من شعورهم بالإحباط أو القلق من كورونا بإلقائه على من يشاركونهم بالحياة ولا أحد يرد على ما يلقى عليه بمخلفاته النفسية بالورود، وبذا يضاعفون الخسائر النفسية من كورونا ويسهمون في إضعاف أنفسهم جسديًا، وكأن القلق والوحدة وتراجع الأهداف في الحياة أثناء كورونا والتعب من انتظار انتهائها والتأثير النفسي لانخفاض بعض الدخول وزيادة النفقات المادية بسبب كورونا ، وكأن كل ذلك ليس مؤلمًا، لذا يلجأ البعض لمضاعفة معاناته النفسية بصنع التباعد النفسي في عمله ومع أسرته ويتناسى ألا أحد لديه القدرة أو الرغبة في التمسك بمن يبتعد عنه وأنهم سيعتادون على ابتعاده وستقل رغبتهم أو ترحيبهم بعودته.

ومع المبالغة في التباعد النفسي تقل الرغبة في التواصل الإنساني حتى تصل لاعتباره عبئًا نفسيًا وهو ما يجب التنبه لمنعه لما به من خسائر ومنها الحدة والعصبية في التعاملات وضعف القدرات على التعامل مع الناس والاكتئاب.

المصدر: بوابة الأهرام

شاهد أيضاً

د. إيمان معاذ تكتب: قادة الشعوب الجدد

عدد المشاهدات = 3544 أصبح للشعوب قادة جدد لا يشعر بهم ويحذر منهم إلا المراقبين …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: