الجمعة , 22 يناير 2021
الرئيسية / خواطري / “سلمى”…قصة قصيرة بقلم أمل عيد

“سلمى”…قصة قصيرة بقلم أمل عيد

= 2203

كثيرًا ما كنت أغرق بين سطور الكتب والمراجع من أجل رسالتي العلمية، أنفرد بالطاولة الكبيرة في مكتبة الجامعة وأنثر حولي الأوراق والملازم وعشرات الكتب وفناجين الشاي والقهوة ولا يخفى علي ّأننى قد أصبحت معروفًا لرواد المكتبة بذلك الشاب الذي يحتكر ثلاثة أرباع الكتب طوال اليوم، لم يكن ذلك يهمني ولا حتى يزعجني، كنت أغرق في جمع المواد العلمية بعزيمة وهمة عالية، وأستمع إلى كثير من التعليقات أنني شاب غريب الأطوار، في الرابعة والثلاثين من العمر ومازال عاكفًا على البحث والدراسة، أو ذلك الشاب الذي فنى شبابه بين الكتب ..

كنت أجد في شراشف سطورها هواي .. في حضن الكلمة كان مهجعي، و بدفء اللغة كنت أنام قرير العين في برد الشتاء .. كنت أستغني عن كل أحلام القلب بنور العقل بين سماوات السطور .. حتى حين كانت تمتلئ أركان المكتبة وتأتي الفتيات يشاركوني طاولتي عيني لم تكن يبهرها سوى الكلمة ترفل فاتنة في فستاين الحروف ..

حتى كان ذات مساء حين جلست في غرفتي أرتب فصول البحث وأجمع الملاحظات التي امتلئت بها أوراقي ،اذا بي قد وجدت ورقة ليس فيها أحرفي .. ولا الكلمات كلماتي .. ورقة خطوطها أنثوية .. عصفت معها ريح البحر وصفو السماء ..

أمسكت الورقة بترقب .. غمرتني الكلمات بعذوبة أحرفها .. هي بضع كلمات ( غدًا سينتصف أكتوبر وبعد غدٍ سينقضي العام, ها هي السنين تطوي أعمارنا ) انتهت الكلمات, بقية الورقة بيضاء .
ظللت أكرر الكلمات مرارًا .. لا أفهم شيئًا .. لمن هذه الورقة؟؟ لا ريب أنها لذلك الذي كان يشاركني طاولتي هذا الصباح …
أظنني قد أخذتها خطأ وانا ألملم بعثرة اوراقي .

حاولت أن أتذكر.. لاجدوى أنا لم أهتم يومًا بمن يشاركني الطاولة .. لكن شيئًا ما بداخلي أشعرني أنه خط أنثوي .. ربما لأنه منمق جداً .. ربما لأنه رفيع والأحرف مسحوبة بنهايات مزخرفة .. لم أدر، لكن فيض الكلمات القليلة غمرني .. فيها مشاعر حائرة حزينة أو تشبه الحزن ..
طال ليلي وأنا أردد الكلمات .. أستطيع الآن أن أقولها دون أن أنظر للورقة .. بين سطورها شعاع الفجر .. نقش الكلمات له وقع غريب ..
في اليوم التالي رغم البرد والمطر، كنت بالمكتبة وسط الكتب والمراجع والأوراق، لكني لم أنكب على الكتب بنفس الهمة العالية ..
أتمنى أن أعرف من تكون صاحبة الورقة .. الوقت يمر بطيئًا .. تتناثر بعض الفتيات في أنحاء المكان لكن ليس فيهن من شعرت أنها صاحبة الكلمات .. لا ريب أنها تختلف عن هؤلاء الفتيات اللاتى يملأن المكان صخباً ..

كدت أغرق في يأسي حين لمعت فكرة في ذهني .. تصنعت أنى أدوّن الكتب التي معي في دفتر الحضور بالمكتبة .. طالعت الأسماء التي سجلت حضورها بالأمس .. دق قلبي وانتعشت روحي من خمودها .. فقد وجدت نفس الخط الأنثوى الذي في الورقة معي .. شعرت بحروف اسمها كما لو كانت تعانقني .. صدق ظني فهى فتاة .. هكذا جاءت الحروف بنفس النقش الرفيع المسحوب .. تمنيت لو أقطع الورقة من دفتر الحضور حتى أحصل على حروف اسمها بخط يدها ..(سلمى سالم محمد ).. اسم الكتاب المستعار: فلسفة الجمال في الفكر المعاصر .

دق قلبي و شعرت بروحي خفيفة .. شىء ما جعل روحي تنتعش، شىء ما جعلني ابتسم، احساس غريب إجتاحني حين طالعتني الحروف .. ويكأننى قد لمست فيها سكون الصبح وهدأته أو كأنى لمست موج البحر ساعات الجنون .. شىء غريب من الهدوء و العاصفة، حيث روحك ترفرف رغم سكون الأجنحة .. ربما قد شعرت بأني قد وجدت ذاتي في كلماتها ..
بين رفوف الكتب أسرعت أبحث عن الكتاب .. وجدته يلمع بين الكتب .. التقطته وأخذت اتصفحه .. فيه رائحتها .. تعجبت كثيرًا .. لست أدري لماذا يتردد هواء البحر فى صدري؟.. الكلمات في الكتاب كصوت البحر الصاخب .. بضعة سطور من الكتاب تضع تحتها خطًا .. السحب تركض فى الفضاء الرحب ركض الخائفين .. والشمس تبدو خلفها صفراء عاصبة الجبين .. والبحر ساج صامتُ فيه خشوع الزاهدين .. لكنما عيناكِ باهتتان فى الأفق الحزين .. سلمى، بماذا تفكرين ؟.. سلمى، بماذا تحلمين؟

هكذا كانت السطور التي خطتها سلمى، تنهدت .. أشعر أني أراها جيدًا بين السطور، ترى كيف تبدين يا سلمى ؟
أخذتُ أقلب صفحات الكتاب لعلني أعرفها اكثر.. لم أصدق نفسي .. ورقة صغيرة مطوية .. نفس الحروف المسحوبة نفس الخط .. دسست الورقة في جيب معطفي بسرعة .. لحظات وكنت في الشارع تحت المطر .. تأملت الحروف التي نقشتها الفتاة ..
أحلامي تراودني حيثما أذهب .. اليوم عند لسان جليم .. لا تقل لي في غد ٍ موعدنا، بل قل السابعة مساءا .
رجفة شملت مفاصلي .. أسلوب الكلمات غريب .. كأنها تركت لي موعدًا لّلقاء .. دسستُ الورقة في جيبي ثانيًة وقد بللها الشتاء .. لم أدر بنفسي إلا وأنا أبحث عن اسمها على الفيسبوك، ما إن نقرت حروف اسمها حتى وجدت حسابها، ملامح جميلة هادئة .. صاحبة هذا الوجه الملائكي لابد أن تكون هي صاحبة الكلمات حقًا .. دق قلبي لحظتها .

هل بلغت بي الحماقة حتى أبحث عن فتاة لم أرها من قبل قط ؟، ولكني رأيتها .. وجهها مألوفاً جدًا لي .. حقًا كانت تجلس قبالتي على الطاولة تطالع كتاب بصمت وهدوء لم يجعلني أشعر بها أصلا .. لست أدري لماذا أشعر بإنتماء غريب تجاهها، كلماتها تكبر بداخلي، أشعر بها تشبهني تمامًا، كأنما تمس كياني .
غريبة تلك الفتاة .. هل تعمدت وضع الورقة في الكتاب أم انها قد نسيتها داخله ؟
لا يهم، على كل حال فقد عرفت أنها في عامها الثاني بالجامعة من حسابها، في الصباح كنت أنتظرها حين تدخل قاعة المحاضرات .. بدأت أشعر أنى حقآ غريب الأطوار بفعلتي تلك.

خشيت ألا ألاحظ دخولها .. فتايات كثيرات وشبان وصخب عند المدخل .. أشعر بالحرج الشديد فأنا معروف هنا فى القسم .. صوت بداخلي نهرني .. فكرت بالانصراف ولكني بقيت مكاني عساني أجد طيفا يشبهها .. بدأت فصول معاناتي وأنا أفكر فيها …
ترى كيف تبدو؟ كيف تتحدث؟ كيف يبدو صوتها؟
أتخيلها واقفة بمفردها يطويها الصمت وفي عينها نظرة حزن !
شغلت تفكيري ووجدت نفسي أتسائل ماذا ورائها؟
طال انتظاري وبدأ الاحراج يملؤني فإنصرفت ..
أشعر أنها قد أخذت قلبي مني، تركت لى بضع كلمات وتركتني حائرآ
اليوم الخامس عشر من أكتوبر .. حيث تطوى السنون أعمارنا ..

كم تبدو صغيرة !! لكن صغرها هذا يروقني، ها هى السنين تطوي ما بقى لي من العمر دون أن ينبض قلبي أبدآ .. هل أتخلى عن نبضة قلبي الآن؟؟
سألت عنها الأوراق وصفوف الكتب والزوايا والأماكن وأبىَ الجميع أن يجيبنى، قالوا لى لعلها لم تكن .. لعلها من صنع خيالك .. لكن خطوط كلماتها بين يدى.
صعدت إلى المكتبة و بحثت عن اسمها خلسة فى دفتر إستعارة الكتب ثانية لعل نبض كلماتها تحيي فؤادى ..
لكن الأسماء الغريبة فى الدفتر ردتنب الى كآبة روحي.
يلفني ذكرى قربها مني على طاولة المكتبة يوم لم انتبه فلا أجد قلبي بين الضلوع…

حاولت أن أطرد طيفها من حياتى و أن أنكب على الدراسة لكن ردنى جفاف الحرف وفوضى الكلمات .. شعرت باللغة غليظة تخنقنى
تأملت الحروف التى نقشتها .. أين أنتِ يا سلمى ؟؟
أحلامى تراودنى حيثما أذهب .. غدآ عند لسان جليم .. لا تقل لى فى غد موعدنا .. بل قل السابعة مساءآ ..
كاد قلبي يقفذ من بين الضلوع .. عقرب ساعة يدي قد تجاوز السابعة والربع .
حملتني قدمي إلى هناك وأنا أسابق الريح .. عند لسان جليم ..على شاطىء البحر بوغتت بطيف يشبهها ، ولشد ما كان اندهاشى أن أسأل موج البحرعنها فيجيبنى !

كانت جالسة على صخرة عظيمة في مكان ٍ مطوي لا تطأه أقدام الكثيرين ..
مكان غامض لا يتردد عليه الكثير لكونه وسط البحر، صخرة كبيرة يربطها بالشاطىء لسان كبير من الصخور، ويضربها الموج فتتكسرعليه تلاطمات المياة و تنتشر ..
ولم أصدق اننى قد رأيتها .. ثوبها يرفرف بفعل الريح
وتسائلت ماذا تفعل هناك عند الموج وتلاطمه ؟
منظرها غريب فعادة لا تأتي الفتيات بمفردهن هنا
آه .. أراها تنحني تجمع بالصدف والمحار ..

للحظة ٍ تأملتها عند الصخرة والموج يحيطها ويتناثر حولها .. إجتاحنى شعورغريب، دق قلبي وكأن إحساسآ من الأبوة قد إعترانى تجاه طفلي الصغير عند الصخرة.
منظرها غريب وهي حول الموج ولا تبالي .. اتعجب منها ..
على الصخور الكثيرة المتناثرة داخل البحر خطوت، داخل اللسان الممتد حتى الصخرة العظيمة وصلت .. تجتاحني خواطر المنع والصدّ، ولكننى تثبّتُ و منها إقتربت، بيدها حقيبة لملمت فيها قليل من الأصداف، تنحني تلملم الأصداف المتناثرة كأنها حورية بحر خرجت لتجمع عنه أصدافه ثم تعود إليه ..
لاحظت وجودى، رفعت طرفها اليّ، نظرات طفلة متسائلة خجلى ..
ابتسمت إليها وشعرت لحظتها أن ثـَمة نبضة فى قلبي تضطرب، شعورغريب من حنان لم اعتده فى صدري منذ زمن، اعتدلت وبسمة خجل تعلو شفتيها بكلمات مضطربة لا أميزها خجلى بادية الدهشة
شعرت بحمقى أمام خجلها، ماذا أقول لها ؟

هممت بالإبتسام إلا أن موجة عارمة قد ضربت ظهري فضاعت الكلمات من رأسي ..
على يقين لحظتها أن ما نبض بداخلي لم أشعر به من قبل، كان الجو باردآ لكني شعرت بدفء شديد يلف قلبي.
حاولت مناداتها بصوت يخنقه نبض قلبي، ولكنها لم تجب في كل مرة كأنها لم تسمع .. تكتفي بالإبتسام وكأن الكلمات تهرب منها، ربما جسدها باردآ .. فهي ترتعش من البرد أو الخجل .
لم أدر ماذا أفعل .. وجدت نفسي أخرج الورقتين المطويتين وأضعهما فى راحتها الصغيرة .. نظرت إلي بإستغراب .. وحين طالعت الكلمات التي خطتها على الورقتين ابتسمت .
وما أن ضحكت حتى انهمر المطر .. شيء ما بينها وبين السماء رحيب .. رجفة سرت فى أوصالي حين أحسست بها بقربي .. كما لو أنى قد ضممت إلى صدري البحر والسماء ورعد الشتاء .
كما لو أنى أعرفها منذ زمن، قلت لها بصوت عميق وكأننى فى يقظة حلم حيث لا منطق للكلمات : هل هذه رسائلكِ ؟ ظننتها ستتعجب، لكنها نظرت إلى بوجه ضحوك، أشعر أنى استمع إلى صوت قلبها وهي تقول : نعم
رجف قلبي بين أضلعى وهى تنظر للورقتين في يدي ثم تقول بصوت هادىء رقيق : ألم يكن الموعد السابعة مساءآ ؟، لقد تاخرت !
عصفت بي الحيرة وأنا أسألها : الموعد ؟؟

قالت وهى تضحك بعذوبة :
أنا فقط أمزح .. هل جئت إلى هنا حقآ لأنك وجدت الورقة فى الكتاب ؟
لفتني الحيرة أكثر وأنا اسألها : وكيف عرفتي أننى سآفتح هذا الكتاب ؟؟ وكيف عرفتي أنني ..
قاطعتني قائلة : لم أعرف ذلك .. ولم أعرف أنك ستأتي إلى هنا لتتعرف إلى صاحبة الورقة أصلآ .
داهمتنى الحيرة وأنا أتأمل عيونها اللامعة ،قلت لها بدهشة :
أنتِ التى دسست ورقتكِ بين أوراقي .
شعرت بكياني يذوب، وضحكتها تمشي في أعصابي قائلة : بالطبع لا، ولماذا قد أتعمد هذا ؟؟
وقفت قبالتها حائرآ، بحثت عن أبجدية مناسبة لكلماتها، فلم أجد حرفآ يكتب ولا ينطق ..
قلت لها وأنا أتاملها : ولكن لمن إذآ كنتِ تكتبين ؟؟

نظرت إلىّ وابتسمت، أشعر بنظراتها كما لو كانت ابنة الثلاثين .. شيء بنظرتها يجعلها تتخطى حاجزالعمر .. رق صوتها أكثر وهىي تقول بصوت كأنما زخرف مثل خطها :
إعتدت أن أفعل ذلك كثيرآ .. إننى فقط أملأ فراغات أيامى .. وأحب أن أترك أثرآ ورائى أينما حللت
ثم اتسعت ابتسامتها وهى تقول : صراحة لم أتخيل أن هناك أحمق سيلبي دعوة لا يعرف من صاحبها ..
وجدت قلبي يخفق بقوة لكلماتها ثم قلت لها وعلى شفتى ابتسامة :
نعم، أعتقد أننى كنتُ ذلك الأحمق !

شاهد أيضاً

“اللمسة المفقودة”…قصة قصيرة بقلم حسيني إبراهيم غنيم

عدد المشاهدات = 1626  استيقظت من نومها فجرا ، توضأت ثم صلت ، كان من …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: