الأربعاء , 17 يوليو 2019
الرئيسية / بقلمي / د. علا المفتي تكتب: “قيدني من فضلك”!

د. علا المفتي تكتب: “قيدني من فضلك”!

= 261

—-

وقفت الابنة ذات العشرين ربيعا، تناقش والدتها، بينما كانتا تعدان واجب الضيافة بالمطبخ، لذلك الشاب المتقدم لخطبتها، والمنتظر مع والدها بحجرة الضيوف. كان النقاش محتدما بينهما، فقد استنكرت الأم ما رأته من موقف الابنة المنقاد لذلك الشاب، وموافقتها الدائمة له، في كل رأي أو قرار دونما أدنى تفكير منها.

وتعجبت الأم متسائلة في دهشة، كيف تنساق ابنتها خلف هذا الشاب الذي لم تعرفه إلا من شهور معدودة، وتطيعه طاعة عمياء، وهي التي ربيت على حرية التفكير واتخاذ القرار منذ طفولتها؟! وكانت إجابة الابنة صادمة للأم، حينما أخبرتها أنها سئمت الحرية، وأنها تريد أن ينوب عنها شخص تثق فيه ويحبها، في اتخاذ قراراتها.

كان هذا الموقف أحد مشاهد فيلم “الضيف”، للكاتب الصحفي إبراهيم عيسى، وهذا الفيلم يناقش قضية التطرف الفكري. لكن هذا الموقف استوقفني بشدة، وعلق بذهني فترة طويلة، وذكرني بمقولة أفلاطون “لو أمطرت السماء حرية لرأيت بعض العبيد يحملون المظلات”، وبيت الشعر القائل “من رضع من ثدي الذل دهرا …رأى في الحرية خرابا وشرا”.

حقا إن الحرية عملية مضنية، فلكي تتحقق للفرد فهي تحتاج منه جهدا ومكابدة وشجاعة. فهو حين يكون حرا، فإن ذلك يعني أنه قادر على اتخاذ القرار. واتخاذ القرار لا يحدث بسهولة أو بتلقائية في الأمور المصيرية والهامة في الحياة، ولكنه يحتاج تفكير حكيم وروية وحسن تصرف.

وقد يقع الفرد في حيرة تأكله، عندما تتعدد أمامه الخيارات. وقد يسقط فريسة الصراع النفسي، إن كانت تلك الخيارات على نفس القدر من القوة والجاذبية، أو أن جميعها خيارات صعبة وشاقة. فالحرية تتطلب شجاعة اتخاذ القرار السليم في الوقت السليم، وتحمل مسؤلية اتخاذ هذا القرار، وما ينجم عنه من نتائج وتبعات، قد تؤثر على صاحب القرار ذاته أو من لهم علاقة بقراره.

لذا فالأحرار على مر الأزمان قله، لكنهم قلة مؤثرة، غيرت ولازالت تغير مجرى أحداث الحياة والتاريخ. وحين أتحدث عن الحرية فأنا أتناولها من معناها الشامل والبسيط أيضا. ذلك المعنى الذي يبدأ من حرية الفرد، في تناول ما يرغب من طعام مثلا أو اختيار نوع الملابس المفضل، وحريتة في انتقاء طبيعة دراسته وعمله، وشكل حياته عموما، إلى حرية المجتمعات والشعوب.

وإن من أسباب كثرة وجود فاقدي الحرية، أو بالأحرى العبيد في المجتمعات، هو طريقة التربية وقيود المجتمع الثقافية، التي ترسم للفرد طريق حياته حتى قبل أن يولد. فبالبرغم من أن الله خلق الإنسان حرا، إلا أن الفرد يولد فيختار له اهله اسمه، ويرث ديانتهم ومعتقداتهم وعاداتهم وتقاليديهم بإيجابياتها وسلبياتها، بل ونوع الدراسة والمهن الشائعة في نفس العائلة، كما يختارون له زوجته ومكان مسكنه إلخ إلخ. ومن يخرج عن هذا الإطار العام، يعد منبوذا من الجماعة فاقدا لشرعية انتمائه لها.

إننا مع الأسف نربي أبناءنا على التقليد والطاعة العمياء، وننكر فيهم حريتهم التي كرمهم الله بها ومنحهم إياها. وإذا انتبه البعض منا وأعطى أبنائه قدرا من الحرية، نسي أو تناسى أن يعلمه ويدربه على تحمل المسؤلية واتخاذ القرار السليم، وأن مفهوم الحرية الحقة يكمن في المبدأ “أنت حر ما لم تضر، وحريتك تقف عند حدود حريات الآخرين”، فتخرج الحرية عن المسار السليم، وتصبح فوضى مدمرة للفرد والمجتمع.

إن الحرية كنز ثمين، وقيمة مثالية، من طلبها عليه أن يكون أهلا لها، وإلا فعليه أن يرفع شعار “قيدني من فضل”!

—————-

* مدرس أدب وثقافة الطفل بكلية البنات – جامعة عين شمس.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: