الخميس , 20 يونيو 2019
الرئيسية / بقلمي / د.علا المفتي تكتب: “سقطت سهوا من صندوق الكراكيب”!

د.علا المفتي تكتب: “سقطت سهوا من صندوق الكراكيب”!

= 499

في حركة رشيقة غير مقصودة أو متوقعة، قرر قلمي أن يلتقط بخفة، إحدى الأفكار التي فرت هاربة من تلك المعارك الدائرة في ساحات عقلي، الذي ازدحم بالأفكار المتناحرة. وحاول القلم أن ينقذ هذه الفكرة الضالة قبل أن تختفي بعد فرارها المباغت، فأمسك بها ليجسدها أمامي بخطوطه المتلاحقة السريعة على الورق، ثم توقف لاهثا متتابع الأنفاس، ليرقد في هدوء بجوار الفكرة الناجية، تاركا إياها تنظر إلي في تحد باد.

أخذت أنظر إلى فكرتي المتحدية تلك، في تمعن وتأمل بالغين. ورغم أني أعرفها جيدا، فهي إحدى بنات عقلي، لكني لم أكن أدركها بالقدر الكافي، إلا عندما لبست ثوب الكلمات، واستقرت على الورق.

في هذه اللحظة فقط، استطعت أن أواجه فكرتي وأفهمهما وأعيها جيدا، واستطعت أن أدرك وأفسر سبب وجودها في عقلي، وعللت لماذا كانت تؤرقني وتسلبني النوم والهدوء النفسي. حينها نظرت إلى قلمي بامتنان وتقدير، ثم أيقظته ليكمل معي مغامرة توليد أفكاري من رحم عقلي، واحتضانها بين الصفحات البيضاء، وتصنيفها وترتيبها وتنقيتها، من كل شوائب السلبية واليأس والعجز.

كانت الأفكار في عقلي هوجاء متشاحنة، فهذبها قلمي وأدبها ونسقها، لتخرج في أوضح صورها. ثم أخذها عقلي من جديد، ليفحصها وينقحها ثم يسلمها للقلم مرة أخرى، ليعيد صياغتها في شكل أكثر إيجابية ووضوح.

لقد هدأت ساحات المعارك التي كانت تغتصب سلام عقلي، عندما عقد قلمي صلحا مع عقلي، وتعاونا معا في تربية أفكاري. شعرت حينها بالصفاء الذهني، واستطعت وضع خططي للحاضر والمستقبل، فقد بددت مخاوفي الفكرية، ووعيت أخطائي العقلية، وأنتجت أفكارا إيجابية محل مثيلاتها السلبية.

إن جانبا كبيرا من هموم الفرد وأحزانه، ناتج من أفكاره التي يحتشد بها عقله، والتي تتصارع أحيانا بشكل مبالغ فيه، مما يؤدي إلى إصابته بالأرق والتوتر والأكتئاب، أو قد تودى به إلى الجنون والانتحار أحيانا. وإنه لمن المفيد للإنسان، أن يدون أفكاره التي تلح عليه باستمرار أو تؤرقه، ويصيغها في شكل أسئلة يواجه بها ذاته، ويحاول أن يجيب عنها ويجد حلولا لها.

إن تدوين الأفكار أو كتابة المذكرات، عادة صحية لتطهير الانفعالات وتصفيه الذهن، ومجابهة المشكلات وترتيب أولويات الحياة، ووضح الخطط الآنية والمستقبلية، بل إنها أيضا من طرق فهم الذات والتصالح معها، ومحاولة تصحيح عيوبها وتعديل مسارها.

فلنجرب أن نفضفض، ولنلق بمكنون أفكارنا ومشاعرنا، ونجمعه بين الأوراق، أو نحولها لكلمات نسجلها بأصواتنا، ونخاطب بها أنفسنا، ونستمع إليها من حين إلى آخر، وكأننا نحاور ذواتنا التي لازلنا نكتشفها ونحاول فهمها، كي نفوز بلحظة السلام النفسي.

والآن هيا لنجعل أقلامنا وصحفنا على أهبة الاستعداد، لالتقاط أي فكرة قد تسقط سهوا، من صناديق عقولنا المزدحمة بالأفكار. فقد يكون في إنقاذها من الضياع، إنقاذا لنفوسنا المكبلة بالمخاوف والهموم. إنه قد آن الآوان يا صديقي لترتيب كراكيب عقلك، فلتبدأ منذ الآن.

——–

* مدرس أدب وثقافة الطفل بكلية بنات جامعة عين شمس.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: