السبت , 15 ديسمبر 2018
الرئيسية / بقلمي / د.علا المفتي تكتب: “عقدة الصور القديمة”!

د.علا المفتي تكتب: “عقدة الصور القديمة”!

= 530

كانت الغزالة تجري بكل ما أوتيت من قوة، دون أن تعرف إلى أين هي ذاهبة. لكنها كانت حينها تدرك شيئا واحدا فقط، هو أنها يجب أن تهرب نحو النجاة، حيث يدفعها حب البقاء إلى الذهاب حيث لا تدري. كانت تعدو بخوف وأمل. لكنها كانت تتقدم نحو الحياة بإحساس الفريسة.

ومع كل خطوة تخطوها نحو اقتناص مزيدا من لحظات العمر، كانت تتذكر مشاهد النهاية، لكل من تم افتراسهم قبلها من الغزلان. كان خوفها الدائم من الفشل في النجاة، يدفعها كي تنظر للخلف حيث مكان الأسد، الذي يعدو خلفها بكل ضراوة، كي تحدد موقعها منه، ثم تستأنف الجري. وأخيرا وجدت نفسها بين أنياب الأسد، وانتهت القصة.

والسؤال الآن لماذا سقطت الغزالة في براثن الأسد؟

كي نجد إجابة لهذا السؤال، علينا بتأمل تفاصيل القصة بدقة، ونفكر معا في احتمالات وأسباب افتراس الغزالة. فهل مثلا كانت الغزالة ضعيفة، فانهكت سريعا من شدة الجري، بينما كان الأسد يفوقها قوة واحتمالا، فاستطاع الوصول إليها وافتراسها؟ أم كانت الغزالة لا تعرف طريقا للهرب، فتم افتراسها؟ أو تكون الغزالة قد فقدت الأمل في النجاة فاستسلمت مثلا؟

الحقيقة أن الغزالة هي من تسببت في افتراسها، حين كانت تلتفت إلى الخلف أثناء الفرار، وتكرر ذلك كثيرا. فقد كانت ترى كل مشاهد افتراس أبناء جنسها، في كل مرة تنظر فيها للخلف. فقد شغلها الماضي المؤلم، عن المستقبل الذي يحدوه الأمل. فضيعت فرصة النجاة في الحاضر، لأنها كبلت نفسها بذكريات الفشل السابقة، وانهكت نفسها بالنظر للخلف. فقد كانت تحاول الفرار، والصورة الكامنة في مخيلتها عن نفسها، أنها فريسة مثل من سبقوها من غزلان. لقد أضاعت الغزلالة نصف طاقتها، في الخوف من تكرار تجارب الماضي المؤلمة، فأضافت لها تجربة مؤلمة جديدة دون أن تدري.

ألا تذكرك يا صديقي قصة الغزالة، بموقف تعرضت له أنت، أو تعرض له شخص تعرفه؟

أصدقك القول أننا جميعا قد تعرضنا لمواقف شبيهة أثناء حياتنا. فلا أحد منا إلا وقد مر بتجربة فاشلة أو أكثر، جعلته يخشى مجرد المحاولة من جديد، فتكونت عقدة بداخلنا تجاه تلك التجارب. فمثلا نجد الطالب الذي فشل في الامتحان قد قرر ترك الدراسة. والشاب الذي فشل في الزواج فاضرب عنه.

والفتاة التي فشلت في قصة حب فكفرت به، إلخ إلخ. فمع كل تجربة ندخلها، نجد انفسنا تلقائيا نسترجع التجارب المشابهة القديمة. فإن كانت تجربة سارة ملنا لتكرارها. وإن كانت تجربة فاشلة، عزفنا عنها دون أن نفكر، في سبب فشلها ومحاولة علاجه.

إنها عقدة الصور القديمة. نعم تلك الصور القديمة من مشاهد فشلنا في الماضي، تسيطر علينا حينما نخوض تجاربنا اللآنية. فتشدنا للخلف وترهبنا، وتشل حركتنا، كي نظل واقفين في أماكننا، عاجزين عن التقدم والتطور، فنعيش عبيدا لماضينا، ونسجن أنفسنا في عقد من الذكريات المؤلمة.

إني أعترف لك يا صديقي، أني عانيت كثيرا من تلك العقدة، وأني جاهدت نفسي ولازلت أجاهدها، كي أشفى من ألم صوري القديمة. وقد نجحت أحيانا، وفشلت أحيانا أخرى، لكني لن استسلم وسأواصل الطريق. لأنني حينما نجحت، تحررت ذاتي وشعرت بالقوة والثقة. وحينما تكرر فشلي، زاد عنادي وإصراري على النجاح.

لذا أقول لك يا صديقي، لا تنهك نفسك وتنفق طاقاتك، وتكبل ذاتك بالنظر إلى ألبوم صور الماضي. لكن حدد في كل صورة قديمه منه، أسباب الفشل والألم، واحذفها من صور ألبوم الحاضر، حتى تُكَون ألبوم مبهج لصور المستقبل.

هيا الآن جدد صورك القديمة، ولونها بالأمل والبهجة، وضع عليها لمسات ورتوش، من الخبرات السارة الناجحة.

—————–

* مدرس أدب وثقافة الطفل بكلية بنات جامعة عين شمس

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: