السبت , 15 ديسمبر 2018
الرئيسية / بقلمي / د.علا المفتي تكتب: “إسبح ضد التيار”..!

د.علا المفتي تكتب: “إسبح ضد التيار”..!

= 368

علمني التأمل في تفاصيل الحياة، بما فيها من أحداث، وأشياء ومخلوقات، كثيرا من الدروس التي غيرت طريقة تفكيري، وطريقتي في التعاطي والتعامل، مع ذاتي ومع الآخرين، ومع الحياة نفسها. فكل درس من دروس الحياة، ما هي إلا نحات بارع يتفنن في تشذيب شخصياتنا، بشرط أن نعي هذه الدروس جيدا، ونتفكر في حكمة حدوثها.

وكما تعلم قابيل من الغراب، كيف يواري سوءة أخيه، تعلمت أنا من أصغر الحشرات وأشرس الحيوانات، كيف يصرون على تحقيق أهدافهم، وكيف يثابرون ويصبرون لاقتناص فرائسهم، وتحقيق مآربهم. فمثلا لم أجد يوما حشرة تيأس في منتصف طريقها للحصول على الغذاء، لمجرد أن الطريق صعب أو أن الظروف غير مواتية.

أو أن حشرة أخرى تحاول أن تحبط مسيرتها للوصول للهدف، أو تثبط من عزائمها لأنها سلكت طريقا مختلفا عما ألفته باقي الحشرات، بل على العكس، كنت ألاحظ أنهم يتعاونان لإصابة الهدف. فها هو سرب النمل ينقل فتات الخبز في تعاون رائع، كي يخزن مؤن بياته الشتوي. وها هي النحلات تتعاون في إنتاج خلايا العسل. هذا هو مجتمع بعض الحشرات، فما الحال إذن في مجتمع البشر؟!

إن صفحات تاريخ المجتمع البشري، حافلة بمشاهد الفكر المهترىء. ففي مجمتع البشر لا تزال تكبح جماح الأحلام، ويطلق على الحالمين “مجانين”، ويوصف المغامرون بالمتهورين، ويتهم المخترعون بالزندقة، ويسمى المتفائلون ساذجين، وينعت الباحثون عن السعادة بالواهمين.

هل مررت يوما يا صديقي القارئ، بأن وصفك أحدهم بتلك الصفات السابقة؟ أم كنت واحدا ممن وصفت غيرهم بهذه الصفات؟ أيا من تكون يا قارئي الكريم من هؤلاء أو هؤلاء، أتدري لماذا يحدث هذا؟

لأن المجتمع الذي تسود فيه مثل هذه الأفكار، هو مجتمع أشبه “ببلد العميان”، الذى وصفه الكتاب الإنجليزي “هـ.ج.ويلز” سنة 1904م في قصته التي تحمل نفس الاسم، حيث ألقت الظروف ببطل القصة المبصر في بلد كل مواطنيها من العميان. فاعتبروه مريضا لأنه مختلفا عنهم. فهو يرى ما لا يرونه في بلدتهم من جمال، ويرشدهم نحوه. كما أنه يحاول أن يصحح لهم مسار حياتهم. فكان بالنسبة لهم ثائرا على قوانينهم منتهكا لقواعدهم المجتمعية الراسخة. فطالبوه باستئصال هذا الجزء المريض في وجهه وهما عيناه، إن أراد أن يعيش بينهم، ويتزوج من الفتاة العمياء الجميلة التي أحبها كي يصبح مثلهم مواطنا أعمى.

إن مجتمعا كهذا مجتمع جاهل متخلف، رجعي تقليدي محافظ، رافض لكل ما هو غير مألوف وغير معتاد. فكل فكرة جديدة أو غريبة في نظر الغالبية العظمى من أفراده، تعد شذوذا وانحرافا يجب مجابهته بشتى الوسائل. فإذا خرج أحد أفراده عن الطريق المرسوم له، أو فكر بشكل ابتكاري أو أوجد حلا غير مطروق، قوبل بالرفض والمقاومة، بل وقد يحارب أيضا أو ينكل به.

كم من عقول ماسية براقة، ارتسمت فيها أحلام وردية لتحقيق غد أفضل، أكثر سعادة ونجاحا لها أو للآخرين، إلا وامتدت نحوها بعض الأيادي لتحطمها، وتقتل ما ولد بداخلها من أحلام وأهداف وغايات. فكم منا من رسم في مخيلته أحلاما للمستقبل، وتمنى أن يعيش بطريقته الخاصة، التي ينشد فيها السعادة، فوجد مئات الأصوات والأيادي التي تنهره، وتخنق أحلامه عن عمد، بحجة أنها غريبة، أو مستحيلة التحقق، أو أنها تفوق قدراته، فما كان منه إلا الاستسلام، ليعيش حياة رسمها له الآخرون، حياة تحقق أمنياتهم وأهدافهم هم لا هو. فيجد نفسه يعيش بعقول الآخرين، راغبا في أن ينال رضاهم، كي يتقبلوه عضوا بينهم. فيصبح نسخة باهتة منهم، وحينها سيكون ميتا حيا، مات فيه بريق الحياة عندما سمح بؤد أحلامه.

إننا نرتكب أبشع الجرائم الإنسانية في حق أنفسنا، عندما نفكر ونعيش كما يرغب الآخرون. إن العيب ليس في أحلامنا الغريبة وغير المألوفة. لكن العيب في الاستسلام لأراء ورغبات الآخرين، والسماح لهم بأن يهدمونا ويثبطوا هممنا، ويرغموننا على تنفيذ ما لا نطيقه ولا نرغبه.

يا صديقي تذكر قصة النبي نوح عليه السلام، حينما نفذ أمر ربه، وشرع في بناء سفينته، وكيف واجه بإيمان راسخ، كل من كان يسخر منه ويحبط من عزائمه، حتى أتم البناء، ونجا هو ومن آمن معه من هول الطوفان.

يا صديقي إنها حياة دنيوية واحدة التي تحياها، فعشها كما ترغب أنت ولا تأبه برغبات وآراء الآخرين، التي تشدك للخلف، ولا تخش السباحة ضد التيار. بل عليك أن تنطلق بكل قوة للأمام. عليك أن تؤمن بنفسك وبقدراتك. عليك أن تغامر وتحاول وتثابر، وأن تحرر أحلامك، وأن تطلق لها العنان … كن قويا وقاتل من أجل أحلامك، فالسعادة في انتظارك.

——————-

* مدرس أدب وثقافة الطفل بكلية بنات جامعة عين شمس.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: