الإثنين , 19 نوفمبر 2018
الرئيسية / بقلمي / د.علا المفتي تكتب: “الدواء في الاستثناءات أحيانا”!

د.علا المفتي تكتب: “الدواء في الاستثناءات أحيانا”!

= 480

“عليكم أن تميزوا المحال من وراء القاعدة المقدسة. لا تأمنوا لأقل إشارة، مهما بدت بسيطة في ظاهرها. لا تقبلوا العادة المتوارثة على ما هي عليه، بل فتشوا عن وجه الضرورة فيها. نحن ننشادكم على الدوام، ألا تقولوا هذا أمر طبيعي، إزاء ما يعترضكم من أحداث كل يوم، ففي زمن يسوده الاضطراب، وتسيل فيه الدماء، ويدين بالفوضى، ويقوم فيه العسف والطغيان مقام القانون، وتفقد الإنسانية إنسانيتها، لا ينبغي أن تقولوا هذا أمر طبيعي، حتى لا يستعصي شيئا على التغيير والتبديل.”

“نحن نناشدكم أن تتكشفوا الغريب وراء المألوف، ووتبينوا السر الغامض وراء ما يحدث كل يوم. وليكن في كل شيء معتاد ما يشعركم بالقلق. تبينوا الشذوذ الذي يستتر خلف القاعدة. وحيثما بدا الفساد لكم فأوجدوا له الدواء.”

تلك العبارات السابقة ما هي إلا مقتطفات من حوار البداية، وحوار النهاية لمسرحية (القاعدة والاستثناء) للكاتب الألماني (برتولت برخت)، والتي ترجمها للعربية عبد الغفار مكاوي، وأذيعت عبر أثير إذاعة البرنامج الثقافي.والتى عرضت أيضا منذ سنوات قليلة، ضمن أنشطة مركز الإبداع الفني.

وتدور أحداث المسرحية حول السيد الثري، الذي استأجر حمالا ليرافقه في رحلة عبر الصحراء، لاكتشاف حقول البترول فيها. وفي أثناء الرحلة نكل السيد بالأجير، وأهانه وأرهقه حد الألم، حتى أنه تسبب في كسر ذراعه، ومع ذلك تحمل الأجير ظلم سيده، حتى ينال أجره ويعود لزوجته وابنه.

وعندما تاها في الصحراء وكاد أن ينفذ منهما الماء، رق قلب الأجير لسيده، وحاول أن يعطيه قليلا من الماء من زمزميته، فحملها إليه رافعا بها يده، فظن السيد أن الأجير يريد أن يقتله بحجر في يده، فأطلق عليه النار بسرعه، فسقط الأجير صريعا. وهكذا كان الأجير على ضعفه، وقلة حيلته وفقره، أكثر إنسانية من سيده، فلم يحمل قلبه أي حقد أو كراهية، نحو من أساء إليه، بل حاول مساعدته، وبذلك فإن شخصية الأجير تعد استثناء للقاعدة.

والحقيقة أن تلك المسرحية تعد عملا أدبيا مميزا، وممتعا للعقل ومثيرا للفكر، حيث أنها ألقت الضوء على قضية هامة، لا تثير انتباه الغالبية العظمى من البشر، وهي قضية نقد المألوف وإعادة النظر في العادة، وأن ما قد نراه عاديا وطبيعيا، قد يكون غير ذلك إذا تأملنا فيه بموضوعية. فكم من عادات نمارسها في حياتنا دونما أن نفكر في مدى صحتها، ومدى مناسبتها للزمن الحالي الذي نعيشه وظروفنا الآنية. فنحن نتشرب أفكارا ثابتة متوارثة، منذ أن ترى عيوننا نور هذا العالم، وكأنها قوانين إلهية مقدسة، يستحيل المساس بها، أو الخروج عنها أو تغييرها، ونعتبر أن مجرد انتقادها تهديدا للمجتمع، وخروجا عن المألوف. ولكن الحقيقة التي يجب أن نعيها جيدا، هي أن الأفكار والعادات الشائعة، وليدة فكر بشري ناسب بيئته، وظروف عصره الذي وجد فيه.

ولذلك فهي لا تصلح لكل زمان ومكان. بل إنها في حاجة دائمة للنقد الموضوعي، الذي يظهر جوانبها الإيجابية والسلبية، وذلك من أجل تطوير ما هو إيجابي منها، ونبذ كل ما هو سلبي فيها. فليس كل ما هو مألوف وشائع بين الناس، يعد صحيحا أو مقدسا غير قابل للتغيير. فشيوع الفكرة لا يعني حتما صحتها المطلقة.

فما أشهر العبارة التي يتداولها الناس في مجتمعنا، عندما يوجه إليهم النقد فيردون بثقة “كل الناس بتعمل كده”، فنخترق قوانين المرور مثلا وندفع الرشاوى، ونغش في الامتحان لأن “كل الناس بتعمل كده”. ونشك ونرتاب ممن يقدم لنا الخير بلا مقابل، فنقلق بشأن من يبتسم في وجوهنا، أو يقدم لنا مساعدة ولا يطلب منا شيئا. فقد أصبحت السلوكيات السلبية الدنسة هي السائدة والطبيعية، أما السلوكيات الإيجابية الطيبة فقد غدت استثناءات مريبة. لقد أصبحنا نعيش زمنا، أنقلب فيه الشر خير والخير شر.

إن العادات الفكرية إحدى المكونات الأساسية لثقافة المجتمع. والثقافة عملية ديناميكية متطورة. ولكي يحدث التطور الثقافي، يجب أن تتغير وتتبدل وتتطور مكونات الثقافة، وذلك من أجل بقاءها واستمراريتها، وحتى لا تنهزم في معارك الصراع الثقافي الدائرة، بين ثقافات المجتمعات القوية ومثيلاتها الضعيفة. فمن أجل بقاء المجتمع واستقراره، يجب أن يتم نقد عاداته وأفكاره المتوراثة، بغية التغيير للأفضل مع الاحتفاظ بشخصيته وهويته.

فكم من فكرة سائدة وعادة راسخة فاسدة، ضربت بجذورها في المجتمع، وأعاقته عن التطور، ونشرت فيه الفساد، فقط لأن أفراد هذا المجتمع قدسوها قدسية الأديان، ولم يسمحوا لأنفسهم بممارسة فضيلة التفكير في جدواها أو محاولة نقدها. ومثل هذه العادات والأفكار الفاسدة، يجب نبذها وحذفها من العقل الجمعي، ويجب أن تحل مكانها عادات قائمة على مفاهيم إيجابية، متماشية مع تعاليم الدين، ومتوائمة مع ظروف العصر وطبيعة الحياة فيه.

والآن علينا أن نقلق بشأن ما تورثناه، من أفكار وعادات وقواعد ثابتة. وأن نتأمل الاستثناءات منها، فقد يكون في الاستثناءات دواء لفساد المجتمعات.

————

* مدرس أدب وثقافة الطفل بكلية بنات جامعة عين شمس.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: