السبت , 20 أكتوبر 2018
الرئيسية / بقلمي / د.علا المفتي تكتب: “راحت علينا”..!

د.علا المفتي تكتب: “راحت علينا”..!

= 276

أتى القمر ليعلن انتهاء فترة حكم الشمس، ويعتلي عرش سماء هذا اليوم، لترحل الشمس طوعاً، بلا أي مقاومة. فتسليم السلطة بين الشمس والقمر، حدث سلمي هادئ، يحدث دائماً في سلاسة، وكأنهما اتفقا على تقاسم السلطة بلا نزاع. لكن مجيء القمر وتقلده لسلطة الزمن، لا يعني إلا الموت المحقق، ليوم جاء فرحاً ثم رحل متشحاً بسواد النهاية.

كانت هذه هي نظرتي للغروب، فأنا أعشق البدايات، ودائماً أخشى النهايات. لكني اكتشفت أن النهايات ليست مُخيفة، بل إنها بشارات. اكتشفت أيضا، أن النهايات مجرد وهم. فكل نهاية كانت علامة، وإيذاناً لبداية جديدة. حقا إن النهايات، ما هي إلا بذرة جديدة، لشجرة البدايات الوارفة الظلال. وإن كل بداية لا تولد إلا من رحم نهاية.

“لسه الوقت ما فاتش” .. قالها لي صديق وفي، حينما لمح غيوم الكآبة تزحف ببطء، على ملامحي ذات يوم، عندما كنا نستمع سوياً لأم كلثوم، وهي تغني بكل شجن وتقول: “فات المعاد”. لكن عبارة صديقي أحيت في نفسي الأمل. فمادمت أعيش وامتلك صحة، وعمراً فالنهاية لم تأت بعد، وعليَّ أن أتجاوز المحن وأخلق من النهايات بدايات جديدة.

إن عبارة صديقي الملهمة تلك، أيقظت أمنياتي القديمة، في تعلم بعض الهوايات، وأنواع الفنون، والرياضات، فما أفضلها من وسائل، لمجابهة ضغوط الحياة وكبواتها. حقاً ترددت في البداية، وكادت تهزمني مخاوفي. بل حاصرتني عبارات احتلت عقولنا، وسقتها لنا ثقافة المجتمع يوما بعد يوم، من مثيلات “بعد ما شاب ودوه الكتاب”، و”احنا كبرنا ع الكلام ده”، و”الناس هتقول علينا إيه”، و”خلاص فات الآوان”.. إلى آخر ذلك من الأفكار والمعتقدات المحبطة، التي يحفظها الناس عن ظهر قلب، ويؤمنون بها إيماناً راسخاً.

لكن حبي للحياة، وإيماني أن الأمل روح الحياة، ساعداني بتوفيق من الله، أن أهزم أفكاري ومخاوفي السلبية، بسلاح من الأفكار الإيجابية المضادة. فمن يسخر مني ويقول: “بعد ما شاب ودوه الكتاب”، أقول له: “أطلبوا العلم من المهد إلى اللحد”. وأرد على من يستنكر فعلي قائلاً: “احنا كبرنا ع الكلام ده”، طالما أمتلك صحة، وعقلاً ووقتاً، ولا أفعل ما يغضب ربي، فليس عليَّ حرج.

ومن يردد باستمرار على مسامعي: “خلاص فات الآوان”، أقول له: تذكر قول الرسول عليه الصلاة والسلام: إن قَامَتِ السَّاعَةُ وَفِي يَدِ أَحَدِكُمْ فَسِيلَةٌ، فَإِنِ اسْتَطَاعَ أَنْ لَا تَقُومَ حَتَّى يَغْرِسَهَا فَلْيَغْرِسْهَا .أما من يخوفني بكلام الناس، و”هيقولوا عليا أيه”، فأنا لم يخلقني الله لأرضي الناس، أو أهتم بآرائهم، فرضاهم غاية لا تدرك. لكن الله خلقني، كي أرضيه هو. فتجاهل وإهمال فكرة “كلام الناس” ، بداية لامتلاك الحرية، وخطوة نحو الإبداع.

لقد تخلصت من مخاوفي، ومن كراهيتي للنهايات، ومن أفكاري الانهزامية. وبدأت من جديد في تعلم أشياء، ومعارف، ومهارات جديدة. ومع كل تعلم جديد، كنت أولد من جديد، وأمتلئ بالثقة، واكتشف نفسي من جديد، وأشعر بأهمية وجودي. وأيقنت حقاً أن النهايات أكذوبة، وأنه مخطئ كاذب، كل من قال “خلاص راحت علينا”.

حقا “لسه مافتش الوقت” فلازلنا ننعم بهبة الحياة، ولازال القلب ينبض. فإن ضاع منك حب، فإن غيره في الطريق إليك. فليس للحب عمراً ولا موعداً، فقط أحسن الاختيار. وإن فاتتك وظيفة، فستأتي وظيفة أخرى أفضل منها، فقط اسع واصبر. وإن كنت ترغب في تعلم مهارة، أو معرفة جديدة، ولا تمتلك المال أو الوقت، أو كليهما، فاعلم أنه سيأتي الوقت المناسب، وسيرزقك الله المال الكافي، طالما كانت رغبتك صادقة، وأنك تحاول إيجاد السبيل لتحقيق تلك الرغبة، فقط عليك ألا تتردد، واطرد اليأس. وإن كنت مريضاً معتل الجسد، ضعيف الحركة، فلايزال عقلك سليماً، وقلبك نابضاً، فحاول استغلالهما على الوجه الأمثل، فيما يفيدك ويفيد غيرك، فقط عليك أن تعلم أن لكل داء دواء. وأن الله حينما يحرمك من شيء، فهو يهبك غيره الكثير.

إن البدايات الجميلة، في طريقها إليك. فهيا قم واستعد للقياها، بوجه بشوش، وقلب ملؤه الأمل والتفاؤل.

——————

* مدرس أدب وثقافة الطفل بكلية بنات – جامعة عين شمس.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.

%d مدونون معجبون بهذه: