الثلاثاء , 16 أكتوبر 2018
الرئيسية / بقلمي / د.علا المفتي تكتب: فيروس الملائكة..!

د.علا المفتي تكتب: فيروس الملائكة..!

= 529

بعد أيام طويلة منهكة، قضاها جالسا بكل صبر وانهماك، نظر طويلاً مدققاً متأملاً في تفاصيل لوحته البديعة. ثم أخرج زفرة حارة من أنفاسه الغاضبة، واندفع بكل عنف ليمزق اللوحة، كي يبدأ في رسمها من جديد. فهو لا يكتفي بمجرد النجاح، لكنه يبحث عن التميز. يرضيه فقط أن ينتج عملاً مكتمل البناء، رائع التكوين، مبهر الفكرة، آسر لقلوب كل من يراه. فهو لا يقبل الخطأ أو الإخفاق ..

هكذا كان صديقي الفنان. حقاً كان مبدعاً، ناجحاً، متميزاً. لكنه كان مبدعاً تعساً، لم يذق حلاوة نجاحه وتميزه قط، لأنه كان دوماً يبحث عن الأفضل. والأفضل لم يأت بعد. فكل أفضل هناك الأفضل منه. فلا سقف للأفضل على الإطلاق.

إن صديقي هذا كان يبغي أن يصبح ملائكياً، في صفاته وأعماله. فقد كان يبحث عن وهم “الكمال”. ونسي أن الكمال ليس من صفات البشر. وأنه لا ملائكة تسير على الأرض. وأن الكمال صفة للذات الإلهية فقط. لقد بهرته فكرة أن يكون مختلفاً متميزاً. فأرهقه البحث عن المستحيل، وسرق منه الإحساس بلذة النجاح، وتملكته الأفكار الوسواسية. ففقد نعمة الرضا، وتعكر صفو سلامه النفسي، وأصبح مصاباً بمرض المثالية والكمال.

لا تتعجب يا قارئي العزيز، فبالفعل هناك مرض يدعى “المثالية والكمال”. والمصابون بهذا المرض معذبون حقاً، بافكارهم الوسواسية المثالية.

إنه مرض يسلبك سعادة اللحظة، ونشوة النجاح. وأظن أن كل منا قد قابل في حياته نموذجا أو أكثر، من هؤلاء المصابين بهذا المرض. فها هي الزوجة، التي ترسم في مخيلتها صورة للرجل المثالي، وتريد من زوجها أن يكون نسخة طبق الأصل، من أنموذجها الملائكي. والرجل الذي يريد أن يجد في امرأته، كل المميزات بلا أدنى نقيصة. والطالب الذي يرغب، في أن يحصل على الدرجات النهائية في كل المواد الدراسية، رافعاً شعار “من يحصل على المرتبة الثانية في قائمة الأوائل، هو من فشل في الحصول على المرتبة الأولى”. وها هو ذا الأب، الذي يريد أبناءه نموذجيون مثاليون، لا يخرقون القواعد، ولا يرتكبون الأخطاء، وغير ذلك من الأمثلة الكثير والكثير.

إن المثاليين مفرطي المثالية، كائنات معذبة. فهم يعذبون أنفسهم بالبحث عن المستحيل. ويعذبون من يتعاملون معهم، لأنهم يقيموهم بمعيار الملائكية والكمال. فيعيشون في إحباط مستمر، وتتوتر علاقاتهم بمن حولهم.

ومع ذلك فهناك لكل سقم شفاء. ولكل داء دواء. ولمقاومة فيروس الملائكية هذا، لابد للمصاب به أولا، أن يعترف بمرضه، ويعي أنه في حاجة إلى علاج. فالوعي بالعلة نصف الطريق إلى الشفاء. والرغبة في العلاج، هي النصف الآخر من هذا الطريق. وأساس هذا المرض فكرة، لكنها فكرة خاطئة، ترسخت في عقل صاحبها. وبداية العلاج بتعديل هذه الفكرة، وإحلالها محل سابقتها الخاطئة.

بعبارة أبسط، على المريض بالمثالية والكمال، أن يدرك ويقتنع تماماً، أن فكرة تحقيق الكمال مستحيلة. وأن الكمال صفة إلاهية. ثم يكون فكرته السليمه عن التميز والنجاح، الذي يكمن في تحقيق الإتقان، مع الاعتراف بوجود الأخطاء والنواقص. فلا عمل بشري خالي من العيوب. واعتناق مبدأ الوسطية، فلا إفراط ولا تفريط. هكذا تكون بداية العلاج. لكن ذلك يحتاج إلى مثابرة وجهاد للنفس، وصبر وتدريب على سلوك الوسطية. والاعتراف بالنواقص والاخطاء. وتقبل الذات بما فيها من عيوب. حقا قد يكون طريق التعديل، والتغيير في الأفكار والممارسات، في بدايته صعب، وطويل ومتعب، لكنه ممكن، ونتائجه ناجحة مرضية.
يا صديقي المفرط المثالية، الراغب في الكمال، الملائكي الطباع، ارجوك أنقذ نفسك من براسن الوهم. قاوم فيروس الملائكة فهو شرس. واعترف أنك بشر خطاء. وتقبل ذاتك بخيرها وشرها، بنجاحها وإخفاقها. وأعلم أن النجمات لكي تسطع، فإنها تسكن الظلام.
——-

* مدرس أدب وثقافة الطفل بكلية بنات – جامعة عين شمس

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.

%d مدونون معجبون بهذه: