الإثنين , 24 سبتمبر 2018
الرئيسية / بقلمي / عبدالرزّاق الربيعي يكتب: الحارثي..رحلة جديدة إلى الأبديّة!

عبدالرزّاق الربيعي يكتب: الحارثي..رحلة جديدة إلى الأبديّة!

= 673

عندما بلغ خبر فاة الشاعر محمّد الحارثي، مسامع الشاعر حسن المطروشي، اتّصل بي قائلا بصوت متحشرج: “لقد رحل الحارثي، شاعري الملهم”، وبعد أن واسينا بعضنا، قلت له “حسنا فعلت أخي حسن باختيارك مفردة الرحيل بدلا من الموت، فالحارثي لم يغب بل مضى في رحلة جديدة، رغم علمنا أنها ستكون طويلة”، فلقد اعتاد الحارثي أن يحدّثنا بعد كلّ غيبة عن رحلات قام بها في أصقاع الأرض، كونه “جوّاب آفاق”، يسير على خطى الرحّالة، منذ دراسته لعلوم الجغرافيا في جامعة قطر، مرورا بالمغرب، التي ألقى بها عصاه ردحا من الوقت، إلى “الجزر العذراء”، كما وصف زنجبار، وتايلاند، وفيتنام، والأندلس، والربع الخالي في كتابه” عين وجناح” الفائز بالجائزة الأولى لمسابقة ابن بطّوطة للأدب الجغرافي، وهو أكثر كتبه انتشارا كونه صدر بثلاث طبعات: الأولى في بيروت عام 2004م، والثانية بألمانيا عام 2008م، والثالثة هي الطبعة الشعبية التي صدرت في عام 2009 ضمن مشروع كتاب في جريدة، الذي ترعاه منظمة اليونيسكو، وهذا المشروع يطبع من كل كتاب أكثر من مليون نسخة بورق الصحف! وواصل تجواله، وفي عام 2016 عاد من رحلات قام بها في النيبال، والهملايا بكتاب حمل عنوان “محيط كتمندو” صادر عن دار مسعى بالمنامة، وكلّما أراه بعد رحلة ألقي على مسامعه مازحا قول ابن زريق البغدادي:

ما آب من سفر إلا وأزعجه
رأي إلى سفر بالعزم يزمعه
كأنما هو في حلّ ومرتحل
موكّل بفضاء الله يذرعه

ولم يكن الحارثي الشاعر الذي غادرنا، عن ست وخمسين سنة، ماضيا، مثل ابن زريق البغدادي “في حل ومرتحل”، بل في مرتحل، ومرتحل، إذ كان يعقب كل رحلة، رحلة جديدة، ولم تكن عودته تلك سوى “ترانزيت”، للتزوّد بما يجود الأهل، والأصدقاء، والمكان الأول من محبّة، تعطيه شحنة روحيّة جديدة، وحين يسمع بيتي البغدادي في قصيدته الواحدة، يبتسم، مثل طفل، ويطرق قليلا، ثم يكمل البيت التالي للبيتين:

إنّ الزمان أراه في الرحيل غنى
ولو إلى السند أضحى وهو يزمعه

والغنى الذي يعنيه التجارب الحياتيّة، فكان يعود من كلّ رحلة محمّلا بالحكايات، والكتب، والأوراق المزخرفة بالكلمات، والملاحظات، ومسودات نصوص جديدة، وكنّا نستقبله بالمثل المعروف “من طوّل الغيبات جاب الغنايم”، وكثرت غيبات الحارثي، وكثرت غنائمه، التي يضعها في قلب القصيدة، وما جاورها، من كتابات نثريّة ومقالات، وسرديّات، فله رواية عنوانها” تنقيح المخطوطة”، صدرات عام 2013م، رغم أنّ القصيدة تبقى مجرّته التي تدور حولها الكواكب، وهو يحلّق في متاهة الكلمات، خارج سرب الشعراء الذين:

“عندما ينتهون في المتاهة
إلى لا شيء يموتون
ثم يضحكون في أغلفة الكتب
يموتون
ويبكون طويلا في الكلمات”

واختار الحارثي ألا يكتفي بالضحك على أغلفة الكتب، فظلّ يجابه مطبّات الحياة بابتسامة، وتعليق طريف، حتّى في أشدّ الظروف، خصوصا بعد رحيل شقيقه عبدالله، وهجوم الأمراض التي أنهكت جسده، وظلّ راقيا كشاعر، وكإنسان، فعندما هاجمه الشاعر سعدي يوسف، نأى عن الردّ عليه، بل ظلّ يكنّ له تقديرا كشاعر كبير، له منجز يحترمه، وذات يوم سألته إن كان قد حصل تواصل بينهما بعد ما جرى، فأجابني بعد وفاة أخيه عبدالله بعث له رسالة يذكر بها الآية الكريمة “كلّ من عليها فان”، فكان ردّه “ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام”، وهذا ليس بالغريب على الراحل “محمد الحارثي” الذي عرفناه، متساميا على صغائر الأمور، ولو كان حيّا ، ووقعت عينه على تعليق سعدي الأخير، لما التفت له، ، فقد عرفناه، لا يقابل الإساءة بالإساءة، وكان كلّما تتعكر الأجواء حوله، يحمل حقيبته، وجواز سفره، ميمّما وجهه شطر جهة ما، دون أن يحدّث الأصدقاء عن وجهته، ولا متى يعود؟

ولم تتوّقف تلك الرحلات حتى عندما هاجمت جسده الأمراض، فكان يغافل الأطباء، وأسرّة المستشفيات، في رحلات العلاج، ليقوم برحلة، وكأنّه كان يشعر بدنوّ الأجل، ويريد أن يملأ ناظريه بأكثر ما يستطيع من مشاهد تزخر بها الطبيعة، وكنوزها، لتكون زوّادته في رحلته الأبديّة في درب اللاعودة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *