الأحد , 24 يونيو 2018
الرئيسية / بقلمي / عبدالرزّاق الربيعي يكتب: سنفطرُ في “القدس”

عبدالرزّاق الربيعي يكتب: سنفطرُ في “القدس”

= 368

في ستّينيات، وسبعينيّات القرن الماضي، كان للأغنية الوطنيّة، والسياسيّة حضورا، في وسائل الإعلام، والحفلات الجماهيرية، وكانت ترتفع وتيرة هذا الحضور، كلّما حدث صراع، أو توتّر في مكان ما من العالم، وحملت هذه الأغنية مضامين تتّصل بحياة الناس، ومعاناتهم، ودعت إلى إحداث تغيير في عدّة أماكن، وتحقيق العدالة الاجتماعية، مثلما فعل المغنّي التشيلي فكتور جارا الذي ظلّ يغني ويعزف على الجيتار حتى أوقف، وأعدم في 16 سبتمبر 1973م بالرصاص، وكما فعل الثنائي: الشيخ إمام، والشاعر أحمد فؤاد نجم في الثمانينيات بمصر، إذ كانت أغانيهما تجري على كل لسان، وقد تعرّضا للاعتقال عدّة مرّات في زمن الرئيس الراحل أنور السادات، وما أن كانت تذاع أغنية سياسية جديدة حتى تحفظها الجموع، وتردّدها في المسيرات، والمناسبات، وحتى المؤسسات كانت تحتفي بالأغنية السياسية، فتقيم لها المهرجانات، وتفرد لها مساحات في برامجها الإذاعية، والتلفزيونية، لكنّها تراجعت كثيرا في السنوات الأخيرة، رغم عودتها للشوارع العربية بعد 2011، وعلى استحياء، وشيئا، فشيئا اختفت عن المشهد، وتمّ وضع (الحلم العربي) على رفّ النسيان، لاسيّما أن ّهذا (الحلم) لم يعد يجد آذانا صاغية حين تُعزف نغماته .

واليوم، وسط صمت مطبق للفنانين، والأدباء، والمثقّفين، إزاء ما يجري في فلسطين، من قتل، ونزف دماء، ظهرت أغنية أثارت جدلا في مواقع التواصل الاجتماعي، وأعني ” سيّدي الرئيس”، فشنّ عليها البعض هجوما، في الوقت الذي يصمتُ به عن الغثّ الغنائي الذي تبثّه الفضائيّات العربيّة!!!

فما الضير في أغنية لا تزيد مدّتها عن ثلاث دقائق، و40 ثانية، كّتبت باللغة العربية الفصحى، وأخرجت بشكل جميل ، وحملت رسالة وطنية، وإنسانيّة، وقد أنتجت بوقت قياسي كتابة، ولحنا، وتصويرا، لتواكب الحدث الذي جعل الشارع العربي يغلي، فأطلقت صرخة احتجاج بوجه قرار ترامب بنقل السفارة الأمريكية من تل أبيب إلى القدس الشريف؟

هذه الرسالة جاءت على لسان طفل فلسطيني تعرّ ض بيته للدمار:

“عندما يخرج الخوف من الدولاب

وتبكي الأغاني

وتنزف الألعاب”

وإذا كانت حجة الذين هاجموها أن منتجيها استغلّوا براءة الطفولة لايصال رسالة، فالذي تابع أغاني الجهة المنتجة في شهور رمضان السابقة لرأى أنّها كلّها أبطالها أطفال، وموجهة لهم، فماذا يحول دون تحميل طفل رسالة وطنية كونه جزءا من المجتمع، وخطابه يأتي موجّها للصغار، والكبار؟

ويكفي الأغنية جمالا أنّ كلماتها مكتوبة بلغة عربية فصحى، ومفرداتها بسيطة، قامت على الإيجاز، وتعاضدت مع اللحن الحزين المنساب بعذوبة، وبصوت عنوانه البراءة، لتتكامل هذه العناصر، وقد أبدعت الكاميرا في رسم المشاهد، والتعبير، تمهيدا لنموّ الحدث، بدءا من حركة الطفل العربي قبل دخوله مكتب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، موجّها له دعوة لتناول الإفطار، في بيته الذي ربما لن يجده لأنّه يتعرّض للدمار، من قبل قوّات الاحتلال، عند عودة أمه برغيف خبر و”قلب مكسور”، وقد استهجن البعض ظهور شخصيّات تؤدّي أدوار رؤساء دول كبرى كالرئيس الروسي بوتين، والمستشارة الألمانية انغيلا ميركل، والرئيس الكوري الشمالي كيم جونغ أون كشهود على ما جرى في مشاهد متتابعة كمشهد الرئيس الروسي بوتين وهو يرى المسجد الأقصى عند الأذان، ووصول مراكب الموت إلى أرض الأحلام، قبل ظهور المستشارة الألمانية انغيلا ميركل واقفة عند الشواطيء التي ترسو عندها المراكب التي تحمل اللاجئين على ظهورها، هذا المقطع يشير إلى أن الأزمات ،والصراعات تتداخل ،فهي مستمرة ما دامت قضية العرب الكبرى فلسطين لم تحلّ، وتتعاقب المشاهد ، وترتفع لغة التحدّي في المقطع الأخير الذي يختتم بمفردة (آمين)، وعند الوصول لتلك المفردة يتغيّر الإيقاع العام للأغنية، فيميل نحو البهجة، وتظهر ابتسامات خفيفة على وجوه الأطفال ،وبوتين، وميركل، وكيم جونغ، باستثناء وجه ترامب الذي يظهر بملامح قاسية أحيانا، وغير مبالية في أحيان أخرى، وتنتهي الأغنية بصورة معبّرة لعدد من المواطنين العرب بأزيائهم التقليدية،يمشون مديرين ظهورهم للكاميرا، متجهين صوب المسجد الأقصى في القدس.

أغنية حفظها أطفالنا فورا، كونها تبعث الأمل، فردّدوها، وبدأوا يحلمون بأنهم في يوم ما سيفطرون في القدس.

ويبقى السؤال قائما: لماذا تُهاجم هذه الأغنية، بينما تسرح الأغاني الرديئة وتمرح في الفضائيات دون أن يُداس لها طرف؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *