الأربعاء , 23 مايو 2018
الرئيسية / بيتي / د.علا المفتي تكتب: فرغت الحدوتة!

د.علا المفتي تكتب: فرغت الحدوتة!

= 2064

فلنبدأ من النهاية. من تلك اللحظة، التي تُحل فيها العقدة، ويهدأ صوت الراوي تدريجياً، لتهدأ معه نفوس أطفالنا القلقة، الباحثة عن نهاية سعيدة للقصة، التي ينصتون إليها بكل شغف واستغراق، ويطمئن بالهم عندما تلتقط آذانهم الصغيرة، الجملة الشهيرة “توته توته فرغت الحدوته”. لكن الشق الأهم في تلك العبارة، عادة ما يُهمل ولا يقال. فكثيراً ما ينسى الراوي قول عبارة خاتمة القصة كاملة. حيث يجب عليه أن يقول “توته توته فرغت الحدوته .. حلوة ولا ملتوته؟”. إن هذا الجزء المحذوف المهمل، من عبارة النهاية في كل قصة – “حلوة ولا ملتوته” – هو الكهف الذي يخبئ كنوز القصة.

فلو تعمقنا في هذا السؤال البسيط، الذي نطرحه على الصغار، بحكم العادة في رواية القصص لهم، “حلوة ولا ملتوته؟”، نجده سؤالا يحمل وجهة نظر نقدية وتحليلية. أو بمعنى ابسط، نحن بهذا السؤال، ندعو الطفل إلى التفكير والتدقيق، والملاحظة والتأمل، فيما طرح عليه، من احداث وشخصيات ومواقف. ونطلب منه أن يبدي رأيه، فيما سمعه أو شاهده. بمعنى أدق، فإن هذا السؤال ما هو إلا عنصر هام، من عناصر التواصل التربوية، والذي يعرف باسم “التغذية الراجعة”. وقد يتبادر لذهن قارئ مقالي هذا سؤال مفاده: ما أهمية “التغذية الراجعة تلك”؟

إن “التغذية الراجعة” ببساطة تشبه الامتحان الذي نؤديه بعد الدراسة لنحدد المستوى الذي بلغناه من التعلم. فنتعرف على نقاط القوة ونقاط الضعف فيما تعلمناه ومن ثم نحسن اداءنا ونعدل من سلوكنا.

و”التغذية الراجعة” في أنشطة الحكي، وجلسات رواية القصص – سواء قامت بتقديمها المعلمة أو الأم – فإنها تسمى “نشاط استثمار القصة”. وفي رأيي، أن استثمار القصة أهم جزء من أجزاء جلسات الحكي والرواية، فليس هدف تقديم القصة للأطفال، المتعة والتسلية، وشغل وقت الفراغ فقط، وإنما للقصة أهداف أخرى متنوعة وهامة وثرية. فالقصة مدخل تدريسي وتعليمي، وتربوي وعلاجي فعال جدا، في بناء وتنمية شخصية الطفل. وهذا ما أثبتته نتائج العديد من الدراسات، التي أجريت في مجال أدب الأطفال، وعلم النفس التعليمي والمعرفي، والصحة النفسية والتوجيه والإرشاد النفسي، والمناهج وطرق التدريس. وليس أدل على ذلك من أن كلام الله عز وجل في القرآن الكريم، جاء في شكل قصصي، من أجل العبرة والموعظة والتعلم. فالإنسان خُلق مجبول على حب القصة بالفطرة. لكن يا ترى، كيف يمكن تنفيذ هذا النشاط الاستثماري؟!

إن هذا السؤال يذكرني بطفولتي، عندما كانت أمي رحمها الله، تقرا لي سلسلة قصص المكتبة الخضراء. فقد كانت كل قصة من تلك القصص، تحتوي على أسئلة للأطفال في نهاية الكتاب. وكنت أنا مولعة بالإجابة على هذا الأسئلة. فهي كانت بالنسبة لي مجرد لعبة شيقة، تشعرني بالإنجاز حينما أجيب عليها، إجابات صحيحة. وبالمثل فإن أنشطة القصة الاستثمارية، يمكن أن تقدم في أشكال مختلفة، كالأسئلة التي تتناول مضامين القصص، للوقوف على مدى استيعاب الأطفال لها. ومن أمثلة الأنشطة الاستثمارية للقصة ما يلي:

• أسئلة تنمية التفكير: حيث يمكن طرح مجموعة من الأسئلة، تثير وتنمي العمليات العقلية المعرفية، كالملاحظة والفهم والإدراك، وأنواع التفكير المختلفة، كالتفكير الناقد والابداعين والتحليلي والمنطقي وغيرها. مثل: أين حدث الموقف “كذا”؟ ماذا حدث في الموقف “كذا”؟ كيف حدث هذا الموقف ولماذا؟ ماذا لو كنت مكان البطل كيف ستتصرف؟ متى وقعت الأحداث التالية؟ في رأيك هل حل البطل المشكلة حلا سليما ولماذا، وماذا تقترح عليه من حلول أخرى؟ قارن بين الشخصيات في القصة، واختار شخصية تشبهك أو اختار الشخصية التي أحببتهان وقل لماذا هي تشبهك؟ وهكذا بحيث نستشف بشكل غير مباشر، مدى استفادة الطفل من مضمون القصة، دون أن نسأله مباشرة “ماذا استفدت من القصة؟!” فإنه سؤال عقيم لا ينجب أفكاراً.

• اقتراح نهايات للقصة: حيث تترك نهاية القصة مفتوحة، وعلى الطفل أن يقترح نهايات أخرى مختلفة للقصة. وهذه الطريقة تنمي خيال وابتكار الطفل، لأنه يطرح حلولا متنوعة لنفس المشكلة.

• اختيار عناوين مختلفة للقصة: بحيث يقترح الطفل عناوين مختلفة للقصة، غير عنوانها الأصلي، مما يجعله أكثر مرونة في إنتاج الأفكار المختلفة.

• رسم شخصيات القصة: فيرسم الطفل الشخصيات التي أعجبته في القصة، أو الأحداث التي لفتت نظره وانجذب إليها. وتعد هذه إحدى الطرق الإسقاطية، التي تفيد في فهم تفكير، وسلوك ومشاعر الطفل.

• التلوين: تلوين الطفل لشخصيات، ومشاهد القصة التي يفضلها. ويفيد ذلك، في معرفة نوعية اهتمامات الطفل وميوله، وينمي حسه الجمالي.

• ألعاب التوصيل والمتاهات وتجميع الأجزاء الناقصة: والتي تتصل بمضمون وتفصيلات أحداث القصة، لمساعدة الطفل على إدراك العلاقات المختلفة، كربط الجزء بالكل، والسبب بالنتيجة إلخ.

• ترتيب صور القصة: حيث يقوم الطفل، بترتيب صور أحداث القصة، تصاعديا أو تنازليا. وهذه الطريقة تساعد الطفل على إدراك مفهوم التسلسل الزمني، والترتيب والتتالي.

• التشكيل بالعجائن الملونة والصلصال: فيقوم الطفل بتشكيل وتجسيد الشخصيات، ومشاهد القصة بالعجائن الملونة والصلصال. وتعد هذه الألعاب، ألعاب فنية تستخرج طاقات الطفل، وتعكس أفكاره وتفضيلاته، وتساعده على التعبير بطرق مختلفة غير تقليدية، وتنمي عضلاته الدقيقة وحسه الجمالي.

• لعبة البطاقات: حيث يمارس الطفل، لعبة انتقاء البطاقة المناسبة، بناء على الوصف الذي تقوله المعلمة أو الأم. وهي لعبة تساعد على تقوية الملاحظة والتركيز، وربط الرموز اللغوية المنطوقة بالرموز المطبوعة والمرسومة.

• التمثيل بالملابس أو العرائس: فيقوم الطفل بتمثيل أحداث القصة، حيث أن الطفل من النمط الاندماجي في تأثره بالأعمال الفنية. فهو يتوحد مع الشخصيات، ويتعلم برؤية وتقليد النماذج، التي يشاهدها أو يستمع إليها. كما أن التمثيل يساعد الطفل، على مواجهة الآخرين، والتخلص من الخجل، والتعبير عن ذاته، وبناء ثقته بنفسه.

• إعادة رواية القصة: حيث يقوم الطفل برواية أحداث القصة، بلغته الخاصة. فذلك يساعده على التركيز والتذكر، والملاحظة وتنمية الخيال والابتكار.

• التمثيل الصامت: تمثيل الطفل الصامت لموقف مواقف القصة. بحيث يتخذ الموقف التمثيلي، شكل اللغز الذي يعرضه الطفل على غيره من الأطفال، وعليهم ان يحددوا هذا الموقف في القصة، التي عرضت عليهم. وهذا يُعرف الطفل على، أن هناك وسائل مختلفة للتواصل والتعبير. كما تعد هذه الطريقة، بداية لتعلم لغة الإشارة.

• الغناء: انتقاء الطفل لأغنية، يتناسب مضمونها مع مضمون القصة، التي استمع إليها، وذلك للتأكد من أنه فهم المضمون جيدا واستوعبه.

• إيجاد قصة مماثلة: بحث الطفل عن قصة مضمونها مشابه للقصة، التي عرضت عليه. وذلك لتنمية ثقافته ومساعدته على التحليل والتركيب للأفكار، وربط وإدراك العلاقات، بين المواقف المتشابهة.

• الألعاب اللغوية: ممارسة الطفل لبعض الألعاب اللغوية، التي تتعلق بمضمون القصة. كاختيار كلمات من القصة لها نفس الوزن الموسيقي. أو انتقاء الكلمات، التي تبدأ أو تنتهي بنفس الحروف إلخ. فهذا ينمي قاموس الطفل اللغوي، ويساعده على تذوق جماليات اللغة.

هذا وهناك طرق لا حصر لها يمكن ابتكارها، على شكل ألعاب استثمارية لنشاط رواية القصة، ويمكن أداءها في المدرسة أو المنزل. كما يمكن أن يشارك الطفل نفسه، في اختراع وابتكار تلك الألعاب القصصية، ومشاركتها مع أصدقائه.

والآن أتمنى لكم أن تستمتعوا مع أطفالكم، في جلسة استثمارية شيقة، لحدوته كل يوم. وعلىَّ أن أقول لكم الآن: “توته توته لقد فرغ مقالي عن استشمار الحدوته”. 
————————

* مدرس أدب وثقافة الطفل – كلية البنات بجامعة عين شمس.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *