الثلاثاء , 21 أغسطس 2018
الرئيسية / بيتي / د. علا المفتي تكتب: فن التعامل مع “كوب اللبن”!

د. علا المفتي تكتب: فن التعامل مع “كوب اللبن”!

= 1118

—-

في الصباح الباكر، جلس أفراد الأسرة، المكونة من الأب والأم، وطفلتهما الصغيرة على مائدة الإفطار كعادتهم كل يوم. وما أن همت الطفلة في الإمساك بكوب اللبن، حتى انسكب على المائدة، ولوث ملابس الأب، الذي استشاط غضبا، وصرخ في ابنته بكل عنف، ناهرا إياها على سوء تصرفها. فبدأت الطفلة هي الأخرى في البكاء والصراخ. وتوترت الأجواء، وتلبد جو الصباح المنزلي الهادئ، بغيوم الكآبة. وأخذت الأم تحاول تهدئة أطراف الصراع، وتنظف المائدة في عجلة. وانطلق الأب مسرعا، لتغيير ملابسه، كي يستطيع أن يوصل ابنته للمدرسة، ثم يذهب لعمله في الوقت المحدد. وبسبب أجواء التوتر تلك، رفضت الأبنة أن تتناول إفطارها، وخرجت للمدرسة بعينين دامعتين. وكذلك الأب لم يستطع إكمال وجبته، وتعكر مزاج الجميع.

وما زاد الطين بلة أن الأب بسبب قلقه وغضبه، كان يقود سيارته بسرعة، مما أدى إلى اصطدامه بإحدى السيارات الأخرى، وما تبع ذلك من معارك لفظية، ثم محاولات للاعتذار، وإصلاح ما تم إفساده، مع ضياع مزيد من الوقت، واستجلاب كثير من الغضب والتوتر. والنتيجة أنه أوصل طفلته للمدرسة، بعد ضياع جزء من اليوم الدراسي، ووصل إلى عمله متأخرا جدا، مما تسبب في مجازاته. والسبب في كل تلك الأحداث السيئة، هو كوب اللبن اللعين.

كم مرة في حياتنا قد صادفنا مواقف مشابهة، لذلك الموقف السابق. كم مرة تعكرت أمزجتنا ليوم كامل، أو أيام بسبب شيء تافه، جر وراءه أمور أخرى أكثر جسامة وخطورة. ودخلنا في دوامات من الأحداث السيئة المتتابعة، لينتهي اليوم بمصيبة كبيرة، ونفس يكسوها الاكتئاب، والغضب والتوتر، فمعظم النار من مستصغر الشرر.

ترى ما السبب في ذلك؟ هل لأننا سيئي الحظ مثلا؟ أم لأن المشاكل تعشقنا أم ماذا؟

السبب وبكل بساطة، هو تضخيم الأمور، وتهويل وتكبير الصغائر. نعم إن معظمنا مع الأسف، لا يتقن فن التعامل مع الصغائر. ولا يحسن استخدام التجاهل في المواقف التي تتطلب ذلك. ولا يقيم الأمور بطريقة موضوعية.

إن ما يفسد الحياة ويجلب الهموم، ويسرق السعادة، هو الاهتمام المبالغ فيه بالصغائر. فكم من زيجة فشلت بسبب مثل تلك الصغائر. وكم أزهقت أرواح بسبب مشاجرات على أشياء تافهة. والأمثلة على تلك الحالة كثيرة لا يمكن حصرها.

فالفرد الحكيم يستطيع بقليل من التجاهل، وحسن إدارة الأزمة، أن يضبط انفعالاته وأعصابه. ويقدر الأمور حق تقديرها. ويعطي ردود أفعال تلائم الموقف، فلا يعظم الصغائر، ولا يحقر الكبائر.

نحن من نجلب التعاسة إلى حياتنا، بسوء التعامل مع المواقف، والتفكير السلبي المبالغ فيه، واهتمامنا بالصغائر، وتغذيتها حتى تصبح كبائر. ولو أعطينا الفرصة لأنفسنا، كي نفكر بتعقل وإيجابية، سنجد أنه كان من الممكن، تجنب كثير من المشكلات، والنزاعات وغيرها، بالتغاضي والتغافل والتسامح.

إن ثقافة التعامل الإيجابي مع الصغائر، التي تنغص الحياة، تكمن في تحويلها إلى صغائر، تسعد الحياة. فكوب اللبن المنسكب في قصتنا سالفة الذكر، كان من الممكن أن يكون سببا في سعادة تلك الأسرة، في ذلك اليوم. فلو نظر أفراد الأسرة لما حدث بإيجابية، وأدركوا أنه خير وليس شر. فقد يكون اللبن فيه جرثومة تضر الطفلة مثلا فمنعها الله من تناوله.

ولو تعاونوا في حل هذا الخطأ البسيط، بأن نظفت الأم المكان بسرعة، ثم أحضرت كوب لبن آخر للطفلة لتكمل إفطارها. ولم ينهر الأب ابنته على خطئها غير المقصود، ولكن نبهها برفق، ثم أسرع في تغيير ملابسه في هدوء، فإن ذلك كان سيجنبهم كل ما حدث فيما بعد من مشكلات. وهكذا لو فكرنا في، أن خلف كل شيء سيء يحدث لنا، خيرا مختبئ لا يعلمه إلا الله، سنتعامل مع الأمور بحكمة، ورضا. وسينتهي الخطأ الأول ببساطة، دونما أن يجر بعده، سلسلة من الأخطاء، التي تجلب مزيدا من التعاسة والإحباط والتوتر.

إن صغائر الحياة يجب أن تكون سببا في إسعادنا، لا سببا في التنغيص علينا. فكم من كلمة طيبة، أو ابتسامة صادقة، أو زهرة يانعة، أبهجت القلوب، وحفرت في القلب، كذكرى جميلة. وكم من كلمة سيئة، أو نظرة قاسية، قد أشعلت معاركا ضارية. فلنتعلم فن التعامل مع “كوب اللبن”. ولنكن أكثر بساطة، وتجاهلا وتسامحا، وحكمة، وإيجابية.

—————–

* مدرس أدب وثقافة الطفل بكلية البنات – جامعة عين شمس

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *