الإثنين , 18 ديسمبر 2017
الرئيسية / مجتمعي / حكاية الخرزة الزرقاء..وفوبيا الحسد !

حكاية الخرزة الزرقاء..وفوبيا الحسد !

= 86

كتبت – مي مجدي

على عكس شعوب العالم كله التى دائماً ما تتباهى بما تملكه وتفتخر بما وصلت اليه من نجاح وما حققته من انجازات..إلا أن الشعب المصرى كما اعتاد فى كل أمور حياته لابد أن يختلف عن الاخرين، فقط فى مصر الغنى يدعى الفقر، والسليم يدعى المرض، والسعيد يدعى الحزن، والناجح يدعى الفشل، فمهما امتلك الانسان من نعم تجده متقوقعاً وممتنعا عن الاستمتاع بهذه النعم، أو التحدث عنها خوفاً من أعين الناس..

 فلا تتحدث مع مصرى إلا ويبدأ كلامه بالاخبار السيئة التى لديه وتبدأ حالة من الكآبة تسود الحديث حتى تندم إنك سألته عن أحواله من البداية، وذلك ظناً منه انه “بيخذي العين”.

والحسد ببساطة هو تمنى زوال النعمة عن الآخرين .. والسبب الرئيسى للحسد هو ان الشخص يرى المحسود فى حالة أفضل منه، وبالتالى يظن أن عليه أن يكون هو الافضل أو على الأقل فى حالة مساوية له ومن ثم يبدأ فى الحقد عليه..

والعين أو الحسد شئ حقيقى ولا أحد ينكر وجوده سواء فى التراث الدينى او الاجتماعى ، فهناك آيات قرآنية وأحاديث نبوية تؤكد على وجوده، ولكن وجوده لا يبرر حالة الفزع المرضى تلك التى يعانى منها غالبية الناس والتى تصل الى حد الوسوسة التى تؤذى صاحبها .. فكثيراً مانرى بعض الاشخاص لديهم الاستعداد التام لتقبل فكرة انه مصاب بالعين من اول مشكلة، ويرى ان هذه العين متحكمة فى كل تفاصيل حياته..

 فبمجرد فشله أو اخفاقه فى تحقيق هدف معين ينسب هذا الفشل الى العين التى اصابته، وغالباً ما تجد هذا الشخص شديد التأثر بكل ما يسمعه أو يراه بشكل مبالغ فيه، ويميل الى العزلة أو البعد عن الناس وعدم الاختلاط بهم كثيراً..ويعتبر الشعب المصري من اكثر الشعوب العربية إيماناً بالعين أو الحسد ويعتبر أن الاخرين ليس لديهم شغلة سوى متابعته، واذا قرر الحديث عن نجاحه أو انجازه لشئ ما فلا يخلو حديثة من استخدام كلمة “خمسة” و “امسك الخشب” بمعدل خمسين مرة فى الدقيقة الواحدة..

ولدينا العديد من الطقوس المتعارف عليها التى اصبحنا نفعلها حتى لا إرادياً للوقاية من الحسد ..فمثلاً عندما يرزق احد بمولود جديد يحاول اخفائه عن الناس لعدد من الايام حتى لا يراه الناس اعتقاداً منهم ان العين تكون شديدة فى ايامه الاولى، كما يقوم الناس برش الملح فى كل مكان فى المنزل مع استخدام البخور بكميات هائلة بالاضافة الى وضع الخرزة الزرقاء على رأس المولود ووضع مصحف صغير أو بعض الأدعية تحت وسادته لحمايته من العين ، ويجب الا ننسى تعليق رسمة “الكف” على باب الغرفة والبعض يعلقها على باب الشقة..

وبعد كل ذلك، اذا صادف وتعرض المولود لشئ ما يرجعون ذلك الى نظرة فلان أو كلمة فلانة !! .. وغير ذلك من الطقوس والعادات التى لا حصر لها، والتى فى النهاية لا تزيد صاحبها إلا جهلاً، وهنا يظهر دور الدجالين والمشعوذين الذين يستغلون هذا الخوف لدى البعض لصالحهم فى النصب عليهم بحجة درء الحسد والعين أو عمل حجاب للوقاية من الحسد..
والسؤال الذي يطرح نفسه: إذا كان الحسد فعلاً يمكنه التحكم فى مصائر الناس وما يحدث لهم … فهل الحل هو ان تختفى عن الناس وتعيش فى كوكب منعزل عنهم حتى لا تصاب بالعين !؟

 فى كثير من الاحيان تكون التنشئة الخاطئة هى السبب فى هذا الخوف المرضى حيث أن غالبية الامهات والآباء يقومون بغرس هذه الفكرة فى عقول اطفالهم نتيجة الخوف الشديد عليهم، وبالتالى عندما يكبر الاطفال يصبح الخوف من التحدث عن النعم هو المحرك الرئيسى لحياتهم على الرغم من أن ذلك على عكس ما امرنا الله به حيث قال تعالى “وأما بنعمة ربك فحدث”..
وعن هذا الموضوع، يقول الشيخ محمد الشنقيطى أن الافراط فى الخوف من الحسد يعد من قبيل ضعف الإيمان، فقد أمرنا ديننا بأن نأخذ بالأسباب ونتوكل على الله فى كل امور حياتنا..حتى وان اصابتك مصيبة فالله وحده هو القادرعلى أن يرفع عنك الضرر ويخرجك منها ويدخل الطمأنينة فى قلبك..

فلا يجب ان يستسلم الانسان لهذه الوساوس . كما وصانا سيدنا محمد – صلى الله عليه وسلم – بتحصين انفسنا من الحسد عن طريق الحرص على قراءة المعوذتين وآية الكرسى و دعاء “اعوذ بكلمات الله التامات من كل شيطان وهامه ومن كل عين لامة “.
وهناك حديث عن ابن عباس عن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – (واعلم أن الامة لو اجتمعوا على أن ينفعوك بشئ، لم ينفعوك إلا بشئ قد كتبه الله لك، ولو اجتمعوا على أن يضروك بشئ، لم يضروك إلا بشئ قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام وجفت الصحف) .

وفى النهاية يجب أن نلغى من عقولنا شبح الخوف من الحسد لدرجة تلك الفوبيا المرضية، وان نعيش حياتنا بشكل طبيعى دون وسوسة مع حسن الظن والتوكل على الله، واعلم جيداً ان النعم لو كانت تزول بالحسد لما بقيت نعمة على وجه الأرض، لانه ببساطة سيقوم كل شخص بحسد الآخرين فتزول نعمتهم ومن ثم تنعدم الحياة، ولكن هذا لم ولن يحدث .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *