الإثنين , 19 نوفمبر 2018
الرئيسية / مجتمعي / عبدالرزّاق الربيعي يكتب: إنَّهُ العيدُ..!

عبدالرزّاق الربيعي يكتب: إنَّهُ العيدُ..!

= 2078

لماذا يغلّف الحزن معظم القصائد المعروفة عن العيد؟

سؤال داهمني خلال مشاهدتي لحلقة نشرتها الدكتورة وجدان الصائغ رئيس قسم دراسات الشرق الأوسط بجامعة ميشيغان الأمريكية، على “اليوتيوب” عنوانها” من أروع قصائد العيد القديمة، والمعاصرة”، إذ أنّ معظم النصوص التي استشهدت بها الباحثة، جاءت حزينة، بدءا من قصيدة المتنبي التي مطلعها:

عيد بأيّة حال عدت يا عيد
بما مضى أم لأمر فيك تجديد

مرورا بقصيدة المعتمد بن عبّاد التي يواسي بها بناته، في العيد، بعد زوال ملكه ، حلول العيد وهو مأسورا في ( أغمات)، وما رافق ذلك من تبدّل الحال:

فيما ما مَضى كُنتَ بِالأَعيادِ مَسرورا
فَساءَكَ العيدُ في أَغماتَ مَأسورا
تَرى بَناتكَ في الأَطمارِ جائِعَةً
يَغزِلنَ لِلناسِ ما يَملِكنَ قَطميراً

وليس انتهاء بقصيدة للشاعر مصطفى جمال الدين يقول بها:

هـذا هـو العيـدُ ، أيـنَ الأهـلُ والفـرحُ؟
ضاقـتْ بهِ النَّفْسُ ، أم أوْدَتْ به القُرَحُ؟!
وأيـنَ أحبابُنـا ضـاعـتْ مـلامحُـهـم
مَـنْ في البلاد بقي منهم ، ومن نزحوا!؟

والسؤال يستحقّ وقفة، ربّما لم يتّسع لها الوقت المخصّص للحلقة، لذا مرّت به الدكتورة وجدان مرورا عابرا، رغم أنّ الفرح، لو دقّقنا ، موجود في قصائد العيد التي حفظها لنا التراث العربي، ومن ذلك قول الشاعر الأندلسي ابن زيدون مهنّئا الوليد بن جهور:

هَنِيئًا لَكَ الْعِيدُ الَّذِي بِكَ أَصْبَحَتْ
تَرُوقُ الضُّحَى مِنْهُ وَتَنْدَى الْأَصَايِلُ
تَلَقَّاكَ بِالْبُشْرَى وَحَيَّاكَ بِالْمُنَى
فَبُشْرَاكَ أَلْفٌ بَعْدَ عَامِكَ قَابِلُ

وقول ابن العتزّ، وهو يصف هلال عيد الفطر، ويشبّه بزورق فضّي:

أهـلاً بفِطْـرٍ قـد أضاء هـلالُـه
فـالآنَ فاغْدُ على الصِّحاب وبَكِّـر
وانظـرْ إليـه كزورقٍ من فِضَّــة
قـد أثقلتْـهُ حمـولـةٌ من عَنْبَـرِ

ويقول شاعر آخر، يذكر ما يمّله العيد من فرحة للفقراء، فبه تستحبّ الصدقات:

طاف البشير بنا مذ أقبل العيد
فالبشر مرتقب والبذل محمود
يا عيد كل فقير هز راحته
شوقاً وكل غني هزه الجود

وكذلك موجود في الأغاني، التي ردّدتها حناجر المغنين العرب، وأبرزهم أم كلثوم، وأغنيتها التي تردّدها محطّات الإذاعات، والتلفزيونات العربية ليلة العيد:

“يا ليلة العيد آنستينا..وجدّدت الأمل فينا”

التي غنتها عام 1937م، وكانت قد سمعت مطلعها من أحد الباعة، فعلق في ذهنها، ثم طلبت من بيرم التونسي كتابة كلمات الأغنية التي أكملها أحمد رامي ، ولحّنها زكريا أحمد، ثم أعاد تلحينها رياض السناطي بعد عامين، ومازلنا نستحضرها أيّام الأعياد، ولاننسى أغنية سمعناها كثيرا في طفولتنا هي” العيد فرحة” لصفاء أبو السعود، التي كتبها الشاعر عبدالوهاب محمد، ولحّنها جمال سلامة، وأبدع الشاعر بيرم التونسي نصّا غنّته نور الهدى عنوانه (هلّ هلال العيد)، ولحّنه فريد الأطرش، وكذلك القصائد التي كتبت للأطفال، إذ يمثّل العيد لهم فرحة كبرى، يقول الشاعر مصطفى جمال الدين:

العيدُ أقبلَ تُسْعِـدُ الأطفـالَ ما حملتْ يـداه
لُعَباً وأثوابـاً وأنغامـاً تَضِـجُّ بهــا الشِّفاه

ونصوص أخرى كثيرة، لكنّ النفس مجبولة على ذكر الألم، فتردّد هجائيّة المتنبي لكافور الأخشيدي عندما غادر مصر:

عيد بأيّة حال عدت يا عيد…

وننسى تهنئته لسيف الدولة الحمداني :

هنيئاً لك العيد الذي أنت عيده
وعيد لكل من سمّى، وضحّى، وعيّدا
ويعيب الشاعر إيليا أبو ماضي هذا في قصيدة مطلعها:
أقبلَ العيدُ ، ولكنْ ليسَ في الناسِ المسرَّهْ
لا أَرى إلاَّ وُجُوهاً كالحاتٍ مُكْفَهِرَّهْ
ليختتمها بتوجيه دعوة للفرح في العيد بقوله :
أيُّها العابسُ لن تُعطَى على التقطيبِ أُجْرَهْ
لا تكنْ مُرَّاً ، ولا تجعَلْ حياةَ الغيرِ مُرَّهْ
إِنَّ من يبكي لهُ حَوْلٌ على الضحكِ وقُدْرَهْ
فتَهَلَّلْ وتَرَنَّمْ ، فالفتى العابسُ صَخْرَهْ
سَكَنَ الدهرُ وحانتْ غفلةٌ منهُ وغِرَّهْ
إنَّهُ العيدُ … وإنَّ العيدَ مثل العُرْسِ مَرَّهْ

لكنّ هذه النصوص لم تسلّط عليها الأضواء، كفاية، لذا ركنت جانبا، ربّما لأنّ الفرح يُعاش، فبقينا نستحضر النصوص التي تتحدّث عن الحزن.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: