الخميس , 25 فبراير 2021
الرئيسية / بقلمي / مرفت العريميّ تكتب: أزمة دراما أم دراما الأزمة؟!

مرفت العريميّ تكتب: أزمة دراما أم دراما الأزمة؟!

= 982

Mervat Oraimy 2


منذ إطلالة الإيام الاولى من الشهر الفضيل طالعتنا الصحف عن الارقام الفلكية لأجور الفنانين وتكلفة إنتاج البرامج والمسلسلات في الوقت الذي تعاني فيه معظم دول العالم وخاصةً العالم العربيّ وفي القلب منه الدول النفطيّة من أزمة اقتصادية طاحنة قد تستمر لبضعة أعوام مقبلة؛ وربّما الأمر يكون مقبولا نوعا ما  لو كان الإنتاج يرتقي بالمشاهِد ويقدم إعلامًا نظيفًا لخدمة قضايا المجتمع إلا أن الواقع المرّ يبين لنا أن  بعضا من البرامج  يتحرج البعض من مشاهدتها حتى في مساء رمضان. 

هذا الاستفزاز المستمر للمشاهد من برامج تقدم أصناف منوعةً من الأطعمة والاعلانات الاستهلاكية بين كل مشهد وآخر لدرجة تصيب المشاهد والناقد المتخصص بتشتت ذهنيّ بين الرسائل والمعلومات المتضاربة التي تقدمها الفضائيات في هذا الوقت الاستثنائي الذي يكافح فيه الكثير من أبناء المجتمعات العربية للإيفاء بالمتطلبات الأساسية على موائدهم  إلى جانب البرامج التي تبرع في ترويع المشاهد والتي تقدم السَّاديّة والتلذذ بتعذيب الآخرين على أنه فن  يستحق أن ينفق عليه الملايين .

أما الأدهى والأمرُّ من هذا كله أن يتم عرض النذر اليسير من البرامج الهادفة في غير أوقات الذروة البرامجية وهو استفزاز تذكرتُ بمعيته مقولة بيكاسو "إنّ الفن يمسح عن الروح غبار الحياة اليومية"؛  إذن الفن  يسمو بالروح والإنسان وكيف لا والفن هو من  قدم العالم والتاريخ  والقيم والفضيلة بين أيدينا وبأسلوب سلس، فكلنا يتذكر برنامج "افتح يا سمسم"  بنسختيه العربية والإنجليزية والمحتوى اللغوي والقيمي الكبير الذي كان يقدمه لنا  وبرنامج "سلامتك" و"احلى الكلام" الذي قدم لنا اللغة العربية وقواعدها وآدابها في قالب دراميّ رائع مازلت أتذكره حتى اليوم، من منا لا يتذكر فيلم "الرسالة"  للعبقري مصطفى العقاد  ومسلسل "يوميات ونيس"  وغيرها الكثير من الأعمال الدرامية والبرامج الهادفة التي ترسخت في الذاكرة واكسبتنا  بعض من المهارات والقيم؛ فالفن رسالة وما نراه اليوم من محتوى استهلاكي أكثره لا مكان له في خارطة الإبداع .

تبادر إلى الذهن خبر قرأته في إحدى الصحف عن  مجموعة من الأفلام السنمائية التي ساعدت على انتشار جرائم  قتل واغتصاب وسرقة وأنا أقلب الباقة المؤسفة من البرامج الرمضانية الذي ينحدر مستواه  القيمي من عام لآخر، فقد قام  شابين في الولايات المتحدة بتقليد مشهد من فيلم  "ذا بروجرام"  وذلك بالاستلقاء على الطريق السريع  لإبراز شجاعتهما كما فعل البطل  إلا أن  النتيجة كانت مأساوية لأحد الشابين  أما الآخر فلاذ بالفرار بعد أن  دهست الشاحنة زميله!!

فإن كان الفن  له هذا التأثيرعلى المجتمع وعلى سلوكيات شريحة منها لماذا  يمرر المنتجون وأصحاب الفضائيات برامج غير هادفة وأمام مرأى ومسمع من الرقابة ومؤسسات المجتمع المدني  وعلى الرغم من أن معدلات الجريمة في ارتفاع وانتشار العادات والسلوكيات السيئة بين الشباب والأطفال في بعض المجتمعات.

 يقال إن الفنون مرآة الشعوب  فإن أردت ان تقيس مستوى تحضر مجتمعا ما عليك بمتابعة فنونهم من سينما ومسرح ودراما..فالفنون عبارة عن لوحة ترسم واقع الحال والمستوى الثقافي للشعب وهي نتيجة أو خلاصة  تعبر عن الكثير  فهل ما نشاهده اليوم من انحدار متجدد في الفضائيات يعكس حقيقة مجتمعاتنا؟  هل الخيانة سلوك طبيعي؟ وهل المخدرات والتدخين  الحل الأمثل  والملاذ الأخير لضغوطات الحياة ؟!

نداءت كثيرة اطلقتها المنظمات  الدولية  حول ضرورة الحد من مشاهد التدخين والمخدرات في الدراما والسينما لما لها من تاثير سلبي على الصحة   الا ان التفاف المعلنين على صناع الدراما  لم يحد من الترويج عن السلع المنوعة اصلا من الاعلان ، وحسب ما كشف عنه المرصد الإعلامي لصندوق مكافحة وعلاج الإدمان بمصر ان اجمالي عدد مشاهد التدخين والمخدرات وتناول كحوليات تراوح عشر ساعات في خمس ايام الاولى من رمضان!

 إن ما يقدمه الفن لا يعكس  عن واقع شعوبنا ولا افكارنا او احلامنا  فنحن  اجمل  وارقى بكثير من الصورة المشوهة التي يريد  تجار الدراما والاعلام ان يلصقه بنا ، فالمجتمع العربي على الرغم من العواصف التي تعصف به  اثبت  برنامج صدمة وقمرة ان لدينا من المبدعين من يستطيعون ان يقدموا فنا راقيا وهادفا دون اسفاف  وان الترويع والاستفزاز  لا يلقى استحسان من الانسان السوي . قبل ان يصبح شبكات التواصل الاجتماعي منبرا للمواطنين كان يبرر المنتجين والفنانين  انحدار الاعمال انها نزولا عند رغبات الجماهير اما اليوم  فتنوع المنابر اسقط تلك المبررات واثبت ان ما يقدمه المنتجون هي رغبات تعكس عنهم وليس الجمهور.

—————-

* مديرة مركز الدراسات والبحوث – مسقط.

شاهد أيضاً

إلى فنانى العالم: أنتم تنقذون حياة البشر!

عدد المشاهدات = 1320 بقلم: نهى هنو كنت دوما اتساءل ماذا لو كان هذا العالم …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: